ما يجعل هذه المفارقة عجيبة هو ما فيها من التعامي عن هدر طاقة الطالب وعمره لينتهي بلا دور وظيفي وقد نال شهادة جامعية!
ينبغي تقليص الأقسام النظرية في جامعاتنا وحصرها في بعض جامعات المراكز الرئيسية؛ وذلك -أولاً- لمصلحة الطلاب والطالبات الذين سيجدون في التوسع والاهتمام بالتخصصات التي يحتاجها سوق العمل ما يزيد من أعداد المقبولين منهم فيها ويجعلهم أكثر تفاؤلاً وجدية، ولمصلحة هذه التخصصات النظرية -ثانياً- التي أدى انتشار أقسامها وكثرة المقبولين فيها وعدم حاجة السوق إليها إلى تضاؤل كفاءتها العلمية والمنهجية. أما هيئة التدريس الوطنية في ما يتم إغلاقه منها فيمكن استثمار جهدها في البحث العلمي، ودورات التطوير المهني المختلفة وتقديم الاستشارات وتدريس المتطلبات الجامعية... وما إلى ذلك. هناك مفارقة تثير العجب والدهشة في هذا الصدد. فمن جهة، نجد مؤشرات دالة على الوعي بضرورة المواءمة بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات التنمية من القوى العاملة، في السياسات المنصوص عليها في خطط التنمية، وفي الخطوات التي تعلنها وزارة العمل تجاه معالجة البطالة وإحداها ترشيد مخرجات التعليم، إضافة إلى عشرات الدراسات الوصفية والتحليلية المنشورة. ومن جهة أخرى، ما زالت الجامعات تقبل الطلاب -بأعداد ضخمة- في التخصصات التي لا حاجة للسوق إليها، وما زالت أقسام جامعية من هذا الطراز تنشأ هنا وهناك. المفارقة هنا تكمن في انفكاك الصلة بين التخطيط للتعليم وبين التخطيط للقوى البشرية، وما يجعل هذه المفارقة عجيبة هو ما فيها من اللامبالاة والتعامي عن هدر طاقة الطالب وعمره لينتهي بلا دور وظيفي وقد نال شهادة جامعية!
استراتيجية خطة التنمية الثامنة 1425-1430هـ لتنمية التعليم العالي في المملكة -مثلاً- تنص في أول ما تستهدفه من سياسات على: «زيادة الطاقة الاستيعابية لمؤسسات التعليم العالي، بما يتماشى ومتطلبات التنمية» وفي الثاني على «تطوير نظم مؤسسات التعليم العالي ومناهجها وبرامجها بما يتفق ومتطلبات واحتياجات سوق العمل». ومجلس القوى العاملة في الندوة التي انعقدت بعنوان «توظيف العمالة الوطنية في القطاع الأهلي» (رجب 1416هـ) يقرر تأثر سوق العمل في المملكة بالإقبال المتزايد على التخصصات النظرية في التعليم الجامعي في الوقت الذي يتزايد الطلب في سوق العمل على التخصصات العلمية.
لكن الواقع لم يستجب أبدا لهذا الوعي، فما زال خريجو الصحة 6% والهندسة 5% من إجمالي الخريجين لعام 1432-1433هـ في الإحصائية التي قدمتها صحيفة الاقتصادية يوم الجمعة الماضي. وإذا كانت نسبة الإناث 61% من الخريجين فإن 53% منهن يرجعن -بحسب الإحصائية نفسها- إلى ثلاثة مجالات: الدراسات الإنسانية، والدراسات الإسلامية، والعلوم الاجتماعية والسلوكية. والنسبة مشابهة تقريباً لدى الذكور. وبحسب مدير صندوق الموارد البشرية د. إبراهيم المعيقل فإن 60% من خريجي التعليم يحملون شهادات لا يطلبها القطاع الخاص. وهي نسب أقل من تلك التي تتضمنها دراسة د. منير العتيبي (2007م) الذي ذكر أن نسبة الملتحقين بالعلوم الإنسانية والاجتماعية تقارب 75% والتي تتضمنها دراسة د. عبد الرحمن الحميدي (1999م) وزملائه، فالمتخصصون لديهم في العلوم النظرية التربوية 85%.

[email protected]