لئن رأيتَ اثنين يتناجيان فإنما نجواهما لا تعدو أن تكون حديثاً عن «الإصلاح»!
وثمّة من يترقّب وما من شيءٍ كان يضمره حيال «نجواهما» غير غمغمةٍ ينقم عليهما ما هما عليه من رؤيةٍ تجاه «إصلاح» يفتقر - هو الآخر - إلى إصلاح.
في حين ألفينا ثمّةَ من قد اتخذ له – من الجميع - مكاناً قصيّا، إذ رهن عزلته في مشغولات من النّقض لـ:»إصلاح» ليس يعيبه غير أنّه يتقاطع مع شيءٍ من رؤاه في بعضٍ من التفصيل. ثم لا يلبث أن ينكفئ على نفسه ثانية ليُعيد الإبرام لـ:»إصلاحٍ» آخر، حيثُ يصنعه على عينه من غير أن يكترث بما يُخلّفه عادة من أنقاض هدمه.
فيما الآخر، عليه لعنة الله إن كان من الكاذبين، ذلك أنّ: «الإصلاح» لا يمكن بأيّ مسوّغ أن يتوسّل: «الفساد» في سبيل صناعةِ «إصلاح» لم يكن ليتجاوز مستوى الشعارات باذخة الادعاء، ما جعل صنعته الإصلاحيّة بنيانا آيلا للسقوط في أيّة لحظةٍ ينكشف فيها المُغطّى، بحسبانه بُنيانَا قد أقيم على جرف هارٍ.. فسينهار به لا محالة إن اليومَ أو غداً، وذلك وَفقَ معطىً سُننيٍّ لن تجد له تحويلا ولا بديلا. (إنَّ اللهَ لا يُصلِحُ عمل المفسدين)
وإذن.. فإنّه لا شيء غير «الإصلاح» يأخذ كلّ هذه المساحة الشاسعة من أوقاتنا الجادة والهازلة، في الأثناء التي تتباين فيها الرؤى حدّاً بلغنا معه «التلاعن» بوصفنا ممن قد امتازوا في تأمين حضور طائفة على حساب الاشتغال على إقصاء أختها.
ولعله ما من حاجة إلى بسط الأدلة هاهنا للإبانة عما نحن عليه من «تقصير» في استشراف «الإصلاح»، ذلك أن ضعفنا في العمل على تأدية رسالته ظاهر في كل المستويات، سواء على مستوى «الفهم» وتحرير المصطلح، أو على مستوى الإجابة عن أسئلته «المشكلة»، أو على مستوى أولوياته وتراتبها منطقيّا .. هذا في شقٍ، بينما الشق الآخر يأتي على مستوى التطبيق والعمل الإجرائي وفق حركيّة المجتمع – الواعية - والمتوثبة لمثل هذه المشروعات المفصليّة، ناهيك عن افتقارنا للشروط اللازم توافرها والتي من شأنها أن تُهيئنا للتكيّف عند كلّ مرحلة انتقاليّة تجد بالتالي مباركة من كلّ مؤسسات الدولة.
وفي مثل هذا الواقع تصبح الأسئلة ملحّة في أن تطرح على هذا النحو:

*أيّ شيءٍ هو «الإصلاح» الذي نرومه؟ وهل ثمّة تحريرٌ لدالّه ومدلوله؟ وهل أنّ أحداً يسوغ له ما لا يسوغ للآخرين في صناعة مفهوم خاصّ به لـ»الإصلاح»؟

*ليس من أحدٍ يمكن أن يجادل في جدوى «الإصلاح» والحاجة إليه، غير أنّ «الإصلاح» شاقٌ وصعبٌ وطويل سلّمه.. وعليه فهل ثمّة اتفاق من أين تكون البداية؟ وعلى أيّ زلفة من درجات «الإصلاح» يمكن أن نضع أولى أقدامنا؟

*لماذا في الدول العربية ـ دون سواها - أيُّ محاولةٍ مِن قِبلنا لـ»الإصلاح» تنتهي عادة إلى تكريس حالة من التوتر والبلوغ بها إلى أقصى درجة يمكن أن تنتهي بنا إلى شيء من القطيعة فيما بين الدولة والمجتمع، لتعيد تالياً شبح الهيمنة في أبشع صورها؟

*إبان الحديث - مجرد الحديث - عن أي مشروعٍ إصلاحيٍّ فجأةً تحضر «الريبة» لتبسط سلطانها فيما بيننا ما يخلق «أزمّة» تتعمّق من خلالها إساءة الظنون والتوجّس خيفةٍ من أيّ حراك «إصلاحيّ».. سؤالي:
ما الأسباب التي ما برحت تأخذنا – بين فينةٍ وأخرى - إلى الدرك الأسفل من إساءة الظنّ بـ»الإصلاح» حتى إن مِنّا وللتّو من يجزم بأنّه ما من «إصلاحٍ» مزعوم! ويقسم الأيمان المغلّظة إن هو إلا «فساد» قد اتخذ له من «الإصلاح» شعاراً ليس إلا، ابتغاء تحقيق مآرب أخرى؟

*لماذا يتعذّر علينا الفقه فهماً وإدراكاً بأنّ النواة الأساسية في كلّ مشروعٍ «إصلاحي» هي (الفرد)؟ ولذا فيصح القول بأنّه لن نتوافر على شيءٍ من إصلاحٍ، أيّا يكن نوعه، ما لم يتم الالتفات إلى «الفرد نفسه» محِل الإصلاح الحقيقي، إذ يجب الاشتغال على تحريره نفسيا وعقليا من كل القيود.
ولست أجافي الحقيقة إن قلت: ما من إصلاحٍ سيكون ما لم يسبق بـ»إصلاح الفرد» إذ إن هذا الأخير يعدُّ على هرم الأوليات في عملية الإصلاح، ذلك أنّ «الأفراد» هم الذين تقوم بهم العملية الإصلاحية وتقوم عليهم. (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون)

*ألم يأنِ لنا أن نكفَّ عن دعوى «الإصلاح» هدراً لطاقةٍ كلاميّة ليست ذات بال، بحيث ظللنا لم نبرح مربع محض الحديث؟ كما وأنّ «النيّة»، حتى وإن تكن صالحة، لا يمكن لها أن تصنع إصلاحاً؟

* هل يمكن أن يقوم بمهام «الإصلاح» من يصدر عن قيم فاسدةٍ ويتكئ على مبادئ – انتهازية - حتى لو كان ظاهره الصلاح؟

*لِم لم يكتفِ «القرآن» بمجرد «التوبة» لتحقق موعود الغفران، ذلك أنّه ما من آية في كتاب الله إلا ورهنت القبول للتوبة بشرط «الإصلاح» ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
﴿وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. والآيات في هذا أكثر من أن تحصى.

[email protected]