سلام على «مكة» قِبْلة المسلمين ومحجَّهم، وسلام عليكم منها. «مكة» البلد الذي تألَّف حول «بيت الله» و»زمزم» منذ فجر التاريخ، ثم أشرق من بطاحه وجباله نور السماء، فغدا قرآنا يُتْلى وعلوما تنهمر وتفيض وتجري وتتعدد. و»مكة» الصحيفة التي نشأت في مكة، وتسمَّت باسمها، لتنهل من رمزياتها ووجدانياتها الثرة ومن ذاكرة الكلمة الصحفية التي نشأت أول ما نشأت في المملكة في مكة في صحيفة «أم القرى» السعودية التي ورثت صحيفة «القبلة» التركية ثم الهاشمية، وهو اتصال اسمي لا يبرح في الصحف الثلاث، لأنها وجدت في مكة دلالة تسمو بها، وظرفاً لا يمكنها القفز عليه. وإذا كانت «القِبْلة» كما كانت «أم القرى» تدللان بصدورهما من مكة على مجتمع مكة الحفي بالصحافة والمشرئب إلى مستوى وعيها، وهو المجتمع نفسه الذي ظل التعليم على مر القرون الإسلامية متصلاً في جنبات حرمه الآمن ومدارسه الأهلية، وكان مغرس أول مؤسسات التعليم الجامعي و»مدرسة تحضير البعثات» في العهد السعودي، فإن صحيفة كبرى بحجم اسم مكة، ترث –كما ورثت سابقتاها- المعنى الأجَلَّ لثقافة مكة ونورها في العالمين، وليس أكثر ثروة في يدها -وهي الصحيفة الوحيدة الآن من نوعها في مكة- من اسم مكة، التي عرفت «القِبْلة» كما عرفت «أم القرى» مغزى التسمِّي به.
لكن الثروة الاسمية لصحيفة «مكة» كما الثروة المكانية لها، ليسا شرط نجاحها بل قد يكونان أحد وجوه التحدي له، خصوصاً في ضوء ما يولدانه من أفق توقع معزول عما تصطرع به مادة الصحافة في لحظتها المعاصرة، وقياسات رواجها ونجاحها. فالصحافة اليوم غنية بقدر ما هي قريبة من الواقع ونقدية له، وهي بالطبع لن تستطيع أن تكون الواقع نفسه وإنما هي صورته، وصورة الواقع ليست مرضية لكل أحد (إن لم نقل لأي أحد)، ولن تصل الصحيفة –أي صحيفة- إلى إرضاء كل أحد. لكنها –والأمر كذلك- تستطيع أن تُغْضِب وترضي، ومن تغضبه من هذه الجهة فإنها ترضيه من الجهة الأخرى، ومن يرى في نقد الواقع ما يُرْعبه لأنه يخشى التغيير، فإنه سيرى ما يقر عينه في مديحه، والذين يرون في المديح تأبيداً لما يكرهون سيرون في النقد بعض ما تترامى إليه طموحاتهم. هكذا لا تستطيع صحيفة مقروءة ورائجة أن تكون صحيفة المثقفين من علية النخبة، وهي في الوقت نفسه لن تحظى بصفة محترمة ورصينة دون أن تزينها أسماء ثقافية تحظى بالصدقية والاحترام والموهبة، أو أسماء ذات قدرات معرفية وتحليلية عالية. ولن تستطيع صحيفة أن تبلغ قدرا معقولاً من الرواج حين تكون في صف البيروقراطيين أو تجسد إملاءاتهم، ولكنها لن تستطيع الاستمرار إذا ما احتوتها رؤية عدمية تماماً للواقع.
ولقد كان السؤال الذي تكرر منذ إطلاق هذه الصحيفة، وسيتكرر عند إطلاق أي صحيفة أخرى، بل ظل يتردد في المناسبات الإعلامية والثقافية، هو جدوى الصحف في عصر الشبكة العنكبوتية. فلم يعد المرء مجبراً على صحيفة واحدة، بل يمكنه قراءة ما شاء من صحف بلده والعالم. وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً سريعاً للأخبار ومسرحاً لممارسات نقدية قد تأخذ شكل الحشد والحملات تجاه الخدمات الحكومية وتجاه الأشخاص والتيارات والأفكار... وغيرها، وحملات إعلانية تجاه أحداث أو ظواهر، والشبكة تعج –إلى ذلك- بمئات الصحف الإلكترونية والمنتديات! لكن التأمل قليلاً ينتهي إلى اليقين في الحاجة إلى فعل صحفي بمهنية عالية، وكل صحيفة تنشأ بالمواصفات المهنية هي إضافة جدِّية إلى وعي المجتمع ليس بالمعنى العددي ولكن بما تحدثه من علاقة تنافس وجدل مع غيرها من الصحف ومع السياق الإعلامي بمجمله، وبما تصنعه من رؤية تحيل الأحداث والقضايا والمعلومات إلى فكر مبني.

