ما زلت أذكر الوقت الذي قضيته عندما كنت جنديا في البحرية الأمريكية خلال الحصار الثاني للفلوجة في 2004. الآن، مرة أخرى، هناك ادعاءات بأن القاعدة استولت على المدينة وأن هناك حاجة إلى رد عسكري قوي لاستعادة المدينة من سيطرة الإرهابيين.
في المرة الأولى، ثبت أن هذا الادعاء كان كاذبا. غالبية الرجال الذين قاتلناهم في الفلوجة كانوا من أهل المدينة وغير مرتبطين بالقاعدة، وكانوا يحاولون طرد المحتلين الأجانب من بلادهم. كان هناك وجود لتنظيم القاعدة في المدينة، لكنهم لعبوا دورا ثانويا في القتال. الأخبار التي تحدثت عن أبي مصعب الزرقاوي، الزعيم المفترض للقاعدة في العراق الذي قيل إنه يجند جيشا في الفلوجة، كانت مبالغا فيها إلى حد كبير. ليس هناك دليل على أن الزرقاوي جاء إلى الفلوجة.
هذا الأسبوع، يردد الإعلام تأكيدات وزارة الداخلية العراقية بأن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام المرتبط مع القاعدة قد استولى على نصف الفلوجة بشكل ببغائي. ولكن مرة أخرى، يبدو أن دور القاعدة في الفلوجة مبالغ فيه، وأنه ربما يستخدم كذريعة لتبرير هجوم عسكري.
أعمال العنف بدأت منذ نحو أسبوعين، عندما فرقت قوات الأمن العراقية معسكر احتجاج في الفلوجة واعتقلت سياسيا كان متعاطفا مع أهداف المحتجين. كان المعسكر جزءا من حركة احتجاج غير عنيفة في المدن السنية، لكنها كانت أيضا مدعومة من بعض أطراف الشيعة. قوات الأمن العراقية هاجمت المحتجين في الفلوجة وباقي مدن الاحتجاج السنية في مرات متعددة. أحد نتائج الاحتلال الأمريكي للعراق أنه ترك السنة يشعرون بأنهم مستهدفون، وتم تهميش الفلوجة أكثر من أي مدينة أخرى بسبب تاريخها كمركز للمقاومة. هذه المشاعر تفاقمت على مدى السنة الماضية من الاحتجاجات والاضطهاد الحكومي.
آخر الممارسات الحكومية في الفلوجة حولت الحركة غير العنيفة إلى عنيفة. عندما تم إخلاء مخيم الاحتجاج في الفلوجة، حمل كثير من المحتجين السلاح وبدؤوا يقاتلون لطرد قوات الأمن من المدينة. كان الذين أخذوا القيادة في هذا القتال هم أبناء المدينة والقبائل المحلية الذين لا يرتبطون مع حركات جهادية. لكن هناك تقارير بأن الفلوجة سقطت في أيادي الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) الذين رفعوا علمهم الآن على المدينة وأعلنوا الفلوجة إمارة إسلامية. ادعاء وزارة الداخلية العراقية بأن داعش يسيطرون على نصف الفلوجة تم قبوله على أنه حقيقة واقعة في جميع النقاشات حول الأحداث.
الصحفي فرات العاني، الذي له علاقات عائلية مع الفلوجة، قال إن داعش لا تلعب دورا مهما في القتال بالفلوجة. هناك مبالغات كبيرة حول رفع داعش لعلمها فوق أحد مباني الفلوجة. لكن العاني قال لي إنهم أنزلوا العلم بعد خمس دقائق من رفعه عندما أمرهم زعماء القبائل بذلك. هذا يبرهن أن القبائل يسيطرون على الفلوجة.
لقد قُتل أكثر من 100 مدني حتى الآن في أعمال العنف هذه، والتي استخدمت فيها الحكومة العراقية أسلحة أمريكية. هناك تقارير بأن القوات العراقية تقصف الفلوجة بصواريخ نار جهنم (Hellfire) التي اشترتها من الولايات المتحدة. لكن الولايات المتحدة باعت الحكومة العراقية أسلحة أخرى وليس فقط نظام الأسلحة هذا. مؤخرا، أظهر الكونجرس بعض التردد في الاستمرار بتزويد حكومة المالكي بالأسلحة خوفا من أنها قد تستخدم للقمع الداخلي، وهي مخاوف يبدو الآن أن لها ما يبررها.
رغم التقارير بأن الفلوجة سقطت تحت سيطرة تنظيم داعش المرتبط مع القاعدة، لا تزال هناك أصوات من داخل الفلوجة تؤكد أن المدينة لا تزال صامدة. لا بد أن أهالي الفلوجة تضرروا بسبب النظرة التي شكلها العالم الخارجي عنهم وفهم نضالهم. الكثيرون حول العالم شعروا بالرضا لقناعتهم بأن القوات العراقية النظامية تقاتل تنظيم القاعدة في الفلوجة لاستعادة الحرية والأمن إلى المدينة.
في الوقت الذي تعيش فيه الفلوجة مرة أخرى نفس الكابوس، أجد نفسي في موقع مختلف تماما عن الموقع الذي كنت فيه سابقا. اليوم، آمل أن أتمكن من القول بأنني أكثر حكمة، وأكثر شعورا بالمسؤولية مما كنت عليه حين ساعدت في تدمير الفلوجة في 2004. في هذه المرة، لا أستطيع أن أجلس مكتوف اليدين فيما يتم نشر ادعاءات الحكومة العراقية غير الموثوقة بدون أي دليل أو إثبات، ويتم ترديدها حتى تتحول إلى حقيقة مسلمة. لا أستطيع أن أتفرج على أبناء الفلوجة وهم يُجبرون مرة أخرى على الهروب من بيوتهم، وأن تُمزق أجسادهم بأسلحة مصنوعة في بلدي. لا أريد أن أشعر أنني متواطئ في معاناتهم مرة أخرى.