ومكة/ المكان، تستدعي لزاماً المدينة/ المكان. وكان قدر المدينتين تلازما شرطيا في مظاهر ومعاني الجلال، والعلاقة بالسماء؛ في سيرة الوحي والتنزيل والشرائع، وفي احتضان رسول الهدى والنور منذ فجر الإسلام الأول، نبوءة فبعثة فهجرة فنُصرة ففتحاً مبيناً.
وهكذا تستدعي مكة/ الصحيفة، المدينة/ الصحيفة، كما كانت بدايات تكوُّن الصحافة في الحاضرتين المقدستين، إذ أدرك الرعيل الأول من رواد الأدب الحجازي دور الصحافة في النهضة وإسهامها في التنوير؛ فأسس أدباء المدينة المنورة، إبان العهد العثماني، صحيفة المدينة المنورة (الأولى) قبل قرن وسنوات أربع. وكان من أشهر مؤسسيها العالم المدني محمود شويل، ولم تستمر طويلاً فاندثر ذكرها باندثار ذلك العهد.
وفي مكة المكرمة وقُبيل ذلك التاريخ حفلت العاصمة المقدسة بأول مطبوعة دورية، أرادها العثمانيون لساناً معبراً عن وجودهم في الحجاز، فصدرت (حجاز ولايتي سالنامه سي) عام 1301.
ولم تلبث مكة المكرمة أن احتضنت (حجاز) الصحيفة الرسمية بعد إعلان الدستور العثماني عام 1326، وزامنتها صحيفة (الرقيب) في المدينة المنورة. وكانت الحاضرتان المقدستان ميداناً وُلد فيه وشبَّ عماد الصحافة الوطنية عبر توالي العهود والحقب، حتى آل الحكم فيهما إلى الدولة السعودية.
وحين تنفس المدنيون نسائم الاستقرار، بادر علي وعثمان حافظ، وحسن صيرفي بتأسيس وإصدار صحيفة المدينة المنورة (الثانية) تيمناً وانتماء للمكان في محرم 1356. وقبل أن تشُب هذه الصحيفة، انتقلت إلى مدينة جدة، حيث لا تزال تصدر من هناك.
واكتفى المدنيون بأن ثمة صحيفة تحمل اسم مدينتهم، وإن لم يكن لها منها أو فيها أكثر مما لها في صحف أخرى توالى صدورها فيما بعد. ولم تخرج الصحافة المهنية ومؤسسوها، حينئذ، عن دائرة الأدباء الحجازيين، فكانوا على درجة من الوعي العميق بأهميتها، وكانت تعبيراً عن شيءٍ من تطلعاتهم، وكان جلّهم على قدر كبير من إدراك فاعليتها في النهضة ومساندة تكوين بنية الدولة السعودية الفتية آنذاك، فلم تتمأسس لها، آنذاك، كيانات رسمية، فأخذت جهودهم الفردية اتجاهاً جماعياً يدفع صوب تجديد الوعي بأهمية الصحافة كوسيلة للتثقيف واستيعاب الأدباء ونشر إنتاجهم؛ فيما عُرف في ذلك الوقت بصحافة الأفراد، فكان أن صدرت في مكة المكرمة صحيفة (أم القرى) في جمادى الأولى 1343. والتف حولها الأدباء المكيون، فكانت ميداناً لسجالات أدبية، ومعرضاً لأخبار الوطن وقضاياه. وانتظمت الصحيفة في الصدور أسبوعياً حتى كانت الحرب العالمية الثانية، فتأثرت الصحيفة بفعل نقص الورق وتواضع إمكانات الطباعة، ومنذ عام 1364، تحولت أم القرى إلى منشور رسمي دوري.
وقد استودعت تلك الحقبة وما قبلها وبُعيدها صحف عدة في المدينتين المقدستين، لم يستمر أي منها، وأضحت من تاريخ الصحافة ومسيرتها في بلادنا.
أما (الندوة) التي أنشأها الأديب المكي أحمد السباعي، وعاصرت جلَّ الصحف الوطنية، واستمرت أربعة وخمسين عاماً، وتوقفت في العام الماضي، فقد كانت ضحية عثرات إدارية وتحريرية أودت بها إلى التوقف، حيث ماتت قبل سنوات من توقفها عن الصدور، وأبتْ مروءة المكيين إلا أن تتداولها مزجيةً إياها شيئاً من الإحساس بالحياة، والتشبث برمزية الأشياء والاعتداد بالمعنى.
ولقد أردت من هذا العرض الموجز؛ الإشارة إلى البدايات التاريخية للصحافة في الحجاز، وكيف تقاسمت عاصمتا الإسلام دور التأسيس للصحافة في بلادنا، ورادتا أيضاً دوراً للنهوض الفكري، وكانتا في وارد وعي رصين بأن الصحافة (كتاب الشعب اليومي)، بكل الزخم النفسي للمطبوع الورقي المقروء، المنفتح على آفاق التلقي في ذلك الزمن.
وبانحسار دور (أم القرى) الصحيفة، في الإطار الذي أُريد لها، وتوقف ما بعدها من صحف، لم يكن لأم القرى/ المكان صحيفة تعبأ بدورها التاريخي في حركة الثقافة الوطنية، ولاسيما بعد أن استعذب اللاحقون من أبنائها سحر جدة ودفئها، وإن ظلَّ ارتباطهم بمكة وثيقاً وجدانياً، حتى كانت (مكة) التي تطالعنا اليوم خطوتها الأولى.
(مكة).. هكذا بمباشرة تلقائية لزخم المعرفة والقداسة وأنوارهما، ليتخلَّق معادل جديد - في حقل دلالتي الاسم والمنتمى – للمدينة، وإن كانت المدينة/ الصحيفة، قد تخففت كثيراً من مقتضيات الانتماء. فصار الانتماء المكاني ومقتضياته هنا، مجازياً في كثير من أحواله. أما المحصلة فإن لكل من المدينتين المقدستين صحيفة تحمل اسمها، تعبيراً رمزياً عن استصحاب قيمة المقدستين في ساحة فن الصحافة المعاصر.
(مكة).. التي يريد المكيون أن تؤكد جدارة طبيعة للمكان، في تبني وإشهار مشروع يؤمَّل منه تنافس في مضمار الصحافة وكسر لنمطية مناطقية تضمر مغذيتها الفكرية، كما يؤمَّل منه تحدٍ لفكرة جاهزة مؤداها نضوب مجال التنافسية والرهان على استمرارية الحماس وتدني إمكانية النجاح، حيث اتسعت ساحة سلطة الصحافة، وتجاوز نفوذ تلك السلطة تخوم الصحافة التقليدية، بفعل تعدد وتنوع وكثرة وسائط الثقافة، ولم تعد الصحافة رهينة لظروف نشأتها الأولى، بفعل وفاعلية متغيرات وتطورات علمية وتقنية لها بنيتها الفكرية، ولها وسائلها واستراتيجياتها في الوصول والنفوذ والتأثير.
فأضحى النت وعوالمه منافذ للصحافة الإلكترونية، ومن ثم تعدد مسارات وأقنية الخطاب الصحفي وعناصره الموضوعاتية، وشواغله من قضايا وأفكار وأطروحات ورؤى.
ولم يعد الخبر أو الرأي أو مواكبة المستجدات على الصُعد كافة وقفاً على الصحيفة، في ظل وفرة أقنية ووسائل نقلها وتداولها، وبروز معابر جديدة لها، ليس آخرها الهواتف الذكية وما إليها ومحتوياتها من نظم وبرامج. وصار للميديا أدبياتها وحساسيات تأثيرها وجماهيرها، وغطاؤها الفكري من محددات وموجَّهات.
وتراجعت الصحافة الورقية، لتحتل تلك الوسائط جزءاً من مكانها ومكانتها، وكانت سرعة التطور في وتيرة استثمارها وتوظيفها؛ جديرة بأن تستجمع وتجتذب إليها مختلف الشرائح والتنوعات.
وهي اعتبارات يعيها (المكيون) جيداً، وهم يجازفون بثقة في الولوج إلى ساحة المقروئية والمقبولية لدى متلقٍ عصري.
وهم يلوون على ثقة مسؤولة بموروثهم العريق في هذا الميدان، واستيعاب واعٍ لظروف ومعطيات ومؤثرات واقع جديد، وذهن جمعي بات يملك أدوات الفرز والمفاضلة والتقييم، ويختار ما يتواءم مع عقله وذائقته، ويستجيب ويتفاعل مع القليل الذي يحترمها، لاسيما و(مكة) واعية بأنها لا تبحث عن قارئ وإنما تصنعه.
مكة.. التاريخ والتحدي
محمد الدبيسي5 دقائق للقراءة

حجم الخط
