كان الفن الشعبي أصدق وثيقة للحركة الاجتماعية في المملكة، فمثلاً:
حين يغني حجاب بن نحيت: “طرقت باب الهوى”، تفهم أننا في تلك المرحلة لم نكن نعاني أزمة سكن، حتى الهوى له بيت بدون نقاط!!
وحين يغني طلال مداح للشاعر (فالح): “مالكٍ قلبي بنمرة واستمارة”، فتلك بداية التسجيل الورقي للممتلكات كالسيارات، أما قبلها فقد كان الناس يتعاملون بكلمة الشرف حتى في استخراج الأوراق الرسمية (كالتابعية) يُعتمد على كلام المواااطٍ مباشرة دون ملف علاقي أخضر!!
وإنما بدأ النصب والاحتيال بأغنية (اليوم يمكن تقولي) لطلال مداح ولطفي زيني: (الحب فيها تجاري)!!
وحين يغني فوزي محسون المجرور الخالد (عِشِقتُه) لصالح جلال، وتسمع: (وحشمة مليح الوصل ما هي قليلة)، فلا بد أن تتذكر مجالس شيوخ الحارات ومراكيز العمد، حيث يتخاصم الغرماء بأدبٍ واحترام لتهضم أن هذا الكلام البلدي الساذج لايمتُّ إلى الغزل بأدنى صلة!
ولصالح جلال وفوزي محسون أيضاً: (سهران كأني العسس) توثيقاً للعسس والمجاهدين الذين كانوا يسهرون على الأمن قبل الدوريات وغرفة العمليات!
أما حين يغني طلال برضو (حبحب على السكين) للشاعر/ يسلم علي، فقبل أن تستهجن هذا السخف ارجع إلى تلك المرحلة لتعرف أن عبارة (حبحب على السكين) تعادل علامة الجودة في وقتهم!
ومن ناحية فنية فإن كلمات كثير من الأغاني الحجازية مثل (روح أحمد الله وبس/ جرِّب كدا وحاول) لا ترتقي أن تسمى شعراً، لكنها تعكس شخصية الحجازي ابن البلد، سريع الانفعال، المقبل على الحياة والاستمتاع بها، بحيث يشغله الشعور الحقيقي عن الشعر الخيالي!
وعلى العكس منه شقيقه النجدي الذي ما زال يقاوم تصحُّر بيئته وقسوة مناخها برقة الكلمة وحلاوة الصورة، ولهذا لم تنتشر الأغنية السعودية إلا حين غذَّاها الشعر النجدي على يد (دايم السيف) و(بدر بن عبدالمحسن) و(خالد بن يزيد) وغيرهم، بمعادلة واضحة: الطرب حجازي والشعر نجدي!!