رأى معهد كارنيغي للشرق الأوسط في دراسة له، وتقرير عن سوريا نشره أمس، أن محصلة التأثير المتراكم للتطورات منذ خريف 2013 تميل لصالح نظام الرئيس بشار الأسد.
وقال: صحيح النظام لا يزال بعيدا عن تحقيق انتصار عسكري شامل، وربما لن يحققه أبدا، كما لا تزال المكاسب التي يحققها النظام بطيئة ومكلفة، وموقتة في أحيان كثيرة، وعرضة إلى التغير والانتكاس، إلا أنه في حال تواصل الاتجاهات الحالية، “وليس ثمة دلائل تشير إلى أنها لن تستمر”، سيكون النظام في وضع مهيمن وسيحقق سيطرة فعالة على “الكتلة الحرجة” من البلاد بحلول نهاية 2015، إن لم يكن قبل ذلك.
هنا أجزاء من تقرير معهد كارنيغي للشرق الأوسط حول الوضع في سوريا: جادل كثيرون بأن انهيار محادثات مؤتمر جنيف 2، أواسط فبراير الماضي التي كانت ترمي إلى وضع حد للصراع السوري، جعل سوريا رهينة مأزق عسكري دائم.
لكن، وفيما يدخل الصراع عامه الرابع، فإن المأزق ليس ساكنا البتة، لافتا إلى أن احتمالات بروز إطار دبلوماسي جديد قابل للتطبيق لتهدئة الوضع تبدو أبعد من أي وقت مضى.
ومن المستبعد أيضا أن تصبح سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا أكثر حزما.
وفي ظل غياب هذين العاملين الخارجيين الرئيسين، سيتم تحديد مسار واتجاه الصراع خلال ما تبقى من 2014 وكذلك في العام المقبل، من خلال التغييرات التدريجية في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية داخل سوريا.
أزمة ماحقة
كل تلك التغييرات تتجلى بطرق متناقضة، إذ يعاني الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية - والذي يعد ظاهريا الممثل السياسي الرئيس للمعارضة - من أزمة دائمة وماحقة، لم ينقذه منها سوى اعتراف تقادم عليه الزمن من جانب مجموعة أصدقاء سوريا، التي يقر أعضاؤها الرئيسيون في مجالسهم الخاصة بأن لا صلة للائتلاف بشكل متزايد بالتطورات على الأرض.
ثم أن التمرد المسلح، الذي ما زال يتسم بالتأثير والقوة، يتراجع حتى في الوقت الذي يبدو أنه يتعزز.
أصدقاء سوريا
لا تقيم مجموعة أصدقاء سوريا علاقات دبلوماسية مع دمشق الأسد، وعلى الرغم من حصول اتصالات مباشرة معه من جانب ست وكالات استخبارات غربية في أوائل 2014، فمن غير المرجح أن تعيد المجموعة العلاقات هذه.
لكن في مرحلة ما، من المحتم أن تعترف المجموعة بأن بقاء النظام لم يعد موضع شك وتعدل سياساتها وفقا لذلك.
ومن المفارقات أن بقاء النظام قد يكون وحده القادر على تمهيد الطريق أمام انبثاق معارضة جدية إلى العلن داخل الحاضنة الاجتماعية للنظام وقاعدته المؤسسية.
فشل ذريع
فشل الائتلاف الوطني فشلا ذريعا، حتى الآن، في إيجاد انعطاف سياسي حاسم من هذا النوع، ومع مرور كل يوم، يصبح من غير المرجح أكثر أن يتمكن الائتلاف من اغتنام الفرصة التي يتيحها مثل هذا الانعطاف في حال ظهوره واستقطاب كتلة حرجة من الجماعات الثائرة المسلحة للحاق به، غير أن نوعا أكثر فعالية من المعارضة السورية قد ينشأ في هذا الفراغ.
حدود الدعم
في ظل ثبات الدعم الروسي والإيراني لنظام الأسد، على ما يبدو، والذي يرجح أن يستمر بالمعدلات الحالية المرتفعة في المستقبل المنظور، فإن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يبطئ أو يغير أو حتى يقلب الاتجاهات داخل سوريا، هو حصول تحول جذري فيما تبدو مجموعة أصدقاء سوريا مستعدة للقيام به لدعم المعارضة السورية وتحسين فرص نجاح عملية انتقال سياسي حاسمة، بيد أن الأعضاء الرئيسيين في مجموعة أصدقاء سوريا، أي الدول الـ11 المعروفة باسم “المجموعة الأساسية”، لن تفعل أكثر مما فعلت بالسابق لتغيير المسار الحالي للتطورات على الأرض، فالولايات المتحدة وشركاؤها الرئيسيون في أوروبا، على سبيل المثال، لن يتخذوا مثل هذا الإجراء، وليس بمقدور دول عربية اتخاذه.
تغيير الميزان
تسعى الولايات المتحدة على أبعد تقدير، والتي قيل إنها زادت حجم التمويل والمساعدات الأخرى التي تقدمها للثوار السوريين منذ فشل الجولة الثانية من محادثات جنيف، إلى تأمين نفوذ كاف لإجبار نظام الأسد على التفاوض بجدية، غير أن نطاق وحجم المساعدات العسكرية الأمريكية ليس كافيا لتحقيق حتى ذلك الهدف المتواضع.
فبين 2012 ونهاية مارس 2014، تضمنت المساعدات الأمريكية عناصر غير فتاكة مثل سيارات الإسعاف والشاحنات ومعدات الاتصالات والفرش والبطانيات ووجبات الطعام المعلبة والمستلزمات الطبية بقيمة بلغت نحو 26 مليون دولار، في حين خضع ما بين ألف و3 آلاف من مقاتلي المعارضة لبرنامج تدريب وتجهيز تديره وكالة المخابرات المركزية في الأردن.
وحتى لو تم الآن صرف المبلغ الإجمالي البالغ 80 مليون دولار من المساعدات العسكرية غير الفتاكة التي تم التعهد بها منذ 2012، فإنه لن يغير الميزان على الأرض.
المساعدة الفتاكة
غير أن واشنطن بقيت مصرة على معارضتها تزويد الثوار السوريين بصواريخ مضادة للطائرات، وتستمر في منع آخرين في مجموعة أصدقاء سوريا الأساسية من القيام بذلك، ما يحد من قدرة المعارضة على إبطاء أو إضعاف تقدم النظام.
والواقع أن الولايات المتحدة، وعلى الرغم من تسهيلها سرا وصول بعض شحنات الأسلحة الممولة من بلدان خليجية إلى المعارضة، لا تزال مترددة في تزويدهم بمساعدة عسكرية فتاكة بصورة مباشرة، وكذا الأمر بالنسبة إلى حلفاء غربيين آخرين مثل بريطانيا، التي جددت معارضتها تسليح الثوار في أواخر مارس وأصرت على عودة الجميع إلى طاولة المفاوضات.
الأسلحة الكيماوية
في أغسطس الماضي، عندما تم استخدام الأسلحة الكيماوية بالقرب من دمشق، هددت الولايات المتحدة وحلفاؤها بتوجيه ضربة عسكرية ضد نظام الأسد، غير أنه تم إيجاد حل سياسي، وافقت دمشق بموجبه على تدمير مخزونها من الأسلحة الكيماوية، ربما كان من المحتمل لو تلكأ النظام في تفكيك قدراته في مجال الأسلحة الكيماوية أن يبرر تجديد التهديد بتوجيه ضربة عسكرية له، ولكن العملية تمضي قدما.
فعلى الرغم من التأخير، تم التخلص من 54 % من مخزون العناصر الكيماوية الفتاكة بحلول أوائل أبريل، وفقا لرئيس البعثة المشتركة للأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية، الذي أكد أيضا أن 40 % إضافية باتت معبأة بالفعل لنقلها إلى الخارج أو تدميرها داخل البلاد.
نزاع متصاعد
لا يزال من المستبعد جدا أن تعتبر إدارة أوباما استمرار النزاع حول تدمير 12 موقعا لإنتاج الأسلحة الكيماوية في سوريا – وهو الأمر الذي يعارضه النظام - سببا كافيا لشن ضربات عقابية، لا تبدو تحفظات الرئيس الأمريكي المعلنة حول وضع قوات أمريكية على الأرض ذات أهمية، لأن هذا الأمر ليس على المحك في الحقيقة، لكن تخوفه من الاضطرار إلى توجيه ضربات إضافية لاحقة في إطار دوامة نزاع متصاعد، وهو الأمر الذي لا يريده البتة، سيستمر في ردع أي عمل أمريكي مباشر.
في المقابل، يبدو أن السعودية لا تزال تسعى أكثر من واشنطن إلى إحداث تحول حاسم في التوازن العسكري كاف لفرض شروط على الأسد أو تنحيته تماما، لكن من غير المرجح أن تمارس واشنطن النفوذ اللازم للقيام بذلك.
فقد صرح المتحدث الرسمي باسم الحكومة الأردنية، الوزير محمد المومني، بشكل قاطع يوم 6 أبريل قائلا: لم ولن نسمح بعبور أية أسلحة أو مقاتلين للأراضي السورية.
أحدث خطط السلام إيرانية
قال تقرير كارنيغي للشرق الأوسط: إن الحقيقة المحزنة هي أن أحدث خطة سلام إيرانية والتي تتكون من أربع نقاط، ربما تكون العرض الوحيد المجدي المطروح على الطاولة بالنسبة إلى المصممين على إيجاد مخرج من الأزمة الدبلوماسية في ظل الظروف الحالية. وتدعو الخطة إلى وقف عام لإطلاق النار، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تتألف من النظام والمعارضة السورية “الداخلية”، وإلى النقل المتعاقب لمجموعة واسعة ولكن غير المحددة من السلطات الرئاسية للحكومة على مدى سنوات عدة، وإجراء انتخابات عامة ورئاسية.
لن تقبل مجموعة أصدقاء سوريا هذه الخطة رسميا كأساس لاتفاق سلام. لكن مبعوثي بعض الدول الرئيسة في المجموعة يُسِرّون، في مجالسهم الخاصة، بأن الخطة لا حيل لها. وهم يأملون الآن في أحسن الأحوال في احتمال التوصل على نحو ما إلى صفقة تسمح للأسد بالبقاء في منصبه لمدة عامين آخرين بينما يتم تنفيذ ترتيبات الحكم الانتقالي. في منتصف مارس، على سبيل المثال، ذكر الموقع الإخباري السوري المعارض “زمان الوصل” أن وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير حث رئيس الحكومة الموقتة للمعارضة أحمد طعمة على إيجاد “حل وسط” يتيح للأسد بأن يبقى موجودا في المرحلة الانتقالية “ولو لفترة قصيرة”.
ولكن كانت الفرصة لمثل هذا التفكير قبل عام كامل، عندما ألمح الأسد من خلال إشاراته المتكررة إلى انتخابات الرئاسة القادمة في عام 2014 إلى استعداده لجعل تلك الانتخابات محور التوصل إلى اتفاق. ومهما كانت نواياه يومها، يبدو واضحا الآن أن الأسد يرى نفسه باقيا لولاية ثالثة مدتها سبع سنوات. لم يعد مهما إذا كان سيتم ترتيب هذا الأمر من خلال انتخابات غير مقنعة أو عن طريق تمديد ولايته الحالية لمدة سنتين، كما ألمح البعض إلى أنه قد يفعل، على أن يتبع ذلك إجراء انتخابات بمجرد أن يتضح أن النظام بات يسيطر على الجزء الأكبر من الأرض والسكان. وهكذا فإن إصرار القمة المشتركة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على أن الانتخابات في سوريا “ينبغي ألا تتم إلا ضمن هذا الإطار [بيان جنيف]” سيصبح قريبا أمرا لا يمت للواقع بصلة.
نوع جديد من المعارضة؟
إذا ما تم إجراء الانتخابات وانتخب الأسد مرة أخرى، فلن يكون النظام قد حقق نصرا كبيرا أو دائما حتى لو كان بمقدوره أن يفوز، كما يعتقد بعض الدبلوماسيين الغربيين، في منافسة حرة حقا وليس في استفتاء مفتعل. سيواجه النظام حتما توترات وتحديات جديدة، لأن الذين قاتلوا من أجله سيقدمون مطالب كانوا قد أجلوها في ذروة الصراع المسلح.
تبقى الثورة الديموقراطية حقيقة واقعة يستمر كثير من السوريين في النضال من أجلها.
خيبة أمل الدبلوماسية
سيكون المجال أمام الدبلوماسية الممكّنة من أي نوع لوضع حدّ للصراع السوري محدوداً بالقدر نفسه في المستقبل القريب. ففي البيان الصادر عن قمتهما المشتركة يوم 26 مارس، أكدت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجددا أن “عملية مفاوضات جنيف ضرورية لتحقيق انتقال سياسي حقيقي في سوريا”. بيد أن إطار جنيف معطّل.
وإذا أصبح التوصّل إلى صفقة دبلوماسية بشأن سوريا ممكنا، فلن تشبه الإطار المنصوص عليه في البيان المشترك الصادر في 30 يونيو 2012 والمعروف بـ “جنيف 1”. بدلا من ذلك، من المرجح أن تجسّد الصفقة اعترافا صريحا بالحقائق على الأرض، والتي لا تزال في صالح النظام، وإلا فلن تتم صفقة دبلوماسية على الإطلاق.
مع ذلك، ومنذ انهيار محادثات جنيف في فبراير الماضي، تفاعل البعض إيجابا من خلال السعي إلى استئناف العملية الدبلوماسية. ويقال إن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون والمبعوث الخاص الأخضر الإبراهيمي، لا يزالان يأملان في إقناع أطراف النزاع السوري بالمشاركة في جولة ثالثة من المحادثات الرسمية، في حين يشارك بعض السوريين وغير السوريين في مناقشات المسار الثاني وراء الكواليس. ويقترح آخرون استخدام مسألة وقف إطلاق النار الإنساني، ما يتيح وصول المساعدات، كنقطة انطلاق لمفاوضات أكثر جدوى.
ومع ذلك، لا يوجد ما يشير إلى تحقيق أي تقدم. ويعود هذا في جزء منه إلى حقيقة أن التوصل إلى نهاية دبلوماسية للصراع السوري، يتطلب مقاربة جماعية توافقية كي تحظى بالصدقية، غير أن التطورات الإقليمية والدولية تكاد تجعل هذا الأمر شبه مستحيل.
أزمة أوكرانيا
ويحول التدهور الحاد في العلاقات الأمريكية - الروسية بشأن أوكرانيا إلى أدنى مستوياتها منذ نهاية الحرب الباردة دون الوصول إلى توافق بشأن سوريا بين القوتين اللتين تتمتعان بأهمية حاسمة.
وفي هذا السياق، كان حديث بعض الدبلوماسيين من مجموعة أصدقاء سوريا عن سعيهم لاستصدار قرار بموجب الفصل السابع من مجلس الأمن الدولي يسمح بفرض عقوبات إلزامية والقيام بعمل عسكري جماعي ضد نظام الأسد مرائياً إلى حدّ التضليل.
لم يكن في الحسبان اللجوء إلى دبلوماسية أكثر قوة. فقد وضع قرار مجلس الأمن 2139 الصادر في 22 فبراير، والذي ركّز الجهود الدولية على تأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى سوريا من دون عوائق، الحدّ الأقصى لما يمكن للأعضاء الغربيين في مجموعة أصدقاء سوريا القيام به في المستقبل المنظور. لكن حتى هذا السقف يتجاوز ما يرغب أصدقاء سوريا في تنفيذه.
وكنوع من التأكيد على ذلك، قدمت لجنتا العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ ومجلس النواب الأمريكي، كل على حدة، مشروعي قرارين في منتصف مارس ركّزا بشكل كامل تقريبا على تنفيذ القرار 2139.
بالإضافة إلى ذلك، حثّت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الإدارة وحلفاءها على “سحب اعترافهم رسميا بنظام الأسد بوصفه الحكومة الشرعية لسوريا”، كما حثّت مجلس الأمن الدولي على أن “تعلّق الجمعية العامة حقوق وامتيازات عضوية الحكومة السورية”، غير أن كلا القرارين غير ملزم، ولا يعدوان كونهما مجرّد لفتات معنوية.
روسيا وإيران
كان دعم روسيا وإيران حيويا بالنسبة إلى استراتيجية نظام الأسد في معارضة إجراء مفاوضات ذات مغزى وإعطاء الأولوية للبقاء على أي اعتبار آخر. لكن لا موسكو ولا طهران تبدو متشبثة بالأسد، ووفقا لمصادر مطلعة موثوقة يعترف حتى المتشدّدون في معسكر المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بأن الأسد لا يمكن أن يبقى في السلطة.
مع ذلك، ثمّة احتمال ضئيل في ظل الظروف الراهنة للتوصّل إلى حلّ وسط يتوخّاه الآن البعض الذين يفترضون أن بالإمكان جعل روسيا وإيران تماشيان مجموعة أصدقاء سوريا في السعي إلى إنجاز عملية انتقال سياسي هادفة. لكن روسيا وإيران لن تستغنيا عن الأسد تحت الإكراه، طالما أن المعارضة السورية وداعميها الخارجيين في تراجع.

