بمعنى هل هي فكر قائم على أصول علمية ومنطلقات دلالية ومنطقيات عقلية، تستطيع الحوار معها على أساسها والتعديل عليها وإخراجها بوجه جديد مقارب للواقع وروح العصر ومنسجمة مع مرونة الدين ومواكبته للزمان والمكان؟أم هي حالة قائمة في أساسها على ارتدادات فعلية ونفسية، وعصبيات تاريخية موروثة من حالات سابقة، وممانعة تنطلق من العادات والتقاليد، أو من المزاجات الشعبية التي تصنع نوعا من الرؤى والآراء في الجوانب الدينية والاجتماعية وغيرها؟فعندما أفصّل الإسلام على طريقتي وأريد إلباسه غيري وأرفض أن يخرج أحد عنه، فهذه تسمى حالة وليست فكرا أو منهجا.
وعندما أحرم قضية تقبل الخلاف أو لا تدخل في اليقينيات الكبرى ثم أمنع أن يخرج أحد عنها وأحارب كل من حاد عنها فهذه حالة وليست فكرا ولا منهجا.
يتميز الفكر عن الحالة بأنه قابل للتغيير والتوسع والتفريع والإضافات بل وللإلغاء إذا ما وجد نفسا صادقة وثابة متجردة لا تحفل بالخلق بل بالحق، أما الحالة فهي غير قابلة لما يقبله الفكر مما سبق.
فمثلا لو قال المفكر أو التابع لفكرة ما بأن الديمقراطية أو الغناء أو كرة القدم حرام أو كفر أو ضياع، ثم تكشفت له الأمور عن أنها غير ذلك، فإنه يعود ويتراجع ويبرر دون أن يهدم أصول الفكرة، لأن أصول الفكرة قائمة على البحث عن الحق لا ادعاء مطلق الحق، ولأنها قائمة على عدم الممانعة للآخرين وما يأتون به، بل هي باحثة عن الإضافات للتطور والبقاء ولأنها لا تصبغ الفكرة وأصحابها بالتقديس، ويمثل هذه القضية أقوال الأئمة الكبار: (إذا صح الحديث فهو مذهبي)، أو قول أبي حنيفة فيما معناه: إذا جاء أحد بأفضل مما جئت به فخذوا به ودعوا قولي.
أما صاحب الحالة لو قال بأن الديمقراطية أو الغناء أو كرة القدم كفر، فلن يرجع عن قوله إلا بهدم أصوله، وإن اضطر إلى ذلك لجأ إلى التلبيسات المعروفة والمواربات السخيفة التي لا تنطلي على أحد، كأن يقول: نخفف من الشر، أو يقول: حتى نعلم ما يحاك ضدنا من مؤامرات، أو يقول: نرتكب أخف الضررين، أو غير ذلك، ولكنه لا يستطيع أن يقول بنقض قوله السابق إلا إذا نقض أساس حالته، لأنه حكم بالكفر على المسائل ومن يمارسها من منطلق القداسة لرأي الحالة أولا، ومن منطلق الممانعة والرفض لأي رأي آخر ثانيا، ومن منطلق ادعاء الحق المطلق الذي لا يقبل المراجعة ثالثا.
وقس على ذلك سائر الآراء والفتاوى لهذه الحالة.
ومن وجهة نظري الخاصة، أعتبر الخطاب السلفي بالمسمى المعاصر أو النصوصي بالمسمى التاريخي، حالة وليس فكرا وإن أطلقنا عليه فكرا أو منهجا تجوزا.
الخطاب السلفي غير قابل للتفكيك أو للتغيير لأنه حالة، والحالة موكولة بظروفها وأصولها الزمانية والمكانية، بمعنى أنها تعاني من (الثبات السلبي) الذي يقف عنيدا أمام كل شيء حتى تتم إزاحته.
والسلفيون الذين أرادوا التجديد وجدوا أنفسهم خارج المنظومة! إما بترك المنهج والحالة بالكلية ويتمثل ذلك في الصحويين الذين تحولوا إلى العلمانية أو إلى حالات أخرى من الشك والإلحاد، أو اتجهوا إلى التصوف، أو إلى مذاهب كلامية أخرى كالأشعرية والمعتزلة وغيرها، أو عادوا إلى وضعهم الطبيعي وابتعدوا عن كل هذه المسميات وعاشوا في غمار الناس.
أو باتهامهم بالكفر أو بالضلال والسعي إلى شيطنتهم وإخراجهم من دائرة أهل الحق وإدخالهم في دائرة أهل الزيغ والبدعة والفتنة، كما حدث للمشايخ الذين أباحوا الغناء أو كشف وجه المرأة أو فك السحر بالسحر أو غيرها من الفتاوى.
فالتجديد في الحالة السلفية يؤدي إلى إزاحة أحد الطرفين إما المجدد وإما المنهج أو الحالة بالتعبير الصحيح.
الذي يحتاج منا إلى دراسة جادة والتفاتة سريعة وثاقبة هو المجتمع الذي يحمل بذور الحالة، وأي مجتمع يحمل هذه البذور قابل لحمل كل حيثياتها، فأنت تجد في الجماعات التكفيرية أشخاصا خرجوا من السجون في قضايا أخلاقية، أو شباب لم يكن أحدهم يؤدي الصلاة أو يعرف عن الدين شيئا سوى البذور والتربية، واستطاعت المنابر في فترة الفتنة السورية أن تؤجج الطائفية بشكل غير مسبوق، ليخرج منها الآلاف من المتعاطفين مع الغلو والسلاح.
من هنا! فالتجديد للحالة ليس كالتجديد للفكر، فلا يكون بفتوى أو بموقف أو بإضافة أو بإلغاء، لأن الحالة لا تستطيع قبول التغيير.
وليست السلفية وحدها التي تعد حالة! بل هناك حالات نستطيع معرفتها بنفس المقاييس التي تقوم عليها السلفية، وأبرز الحالات التي تقوم على عصبية طائفية أو مذهبية أو قبلية أو حتى بعض من تسمي نفسها فكرية.