يعد تقطير الزهر من الممارسات والعادات والتقاليد الموروثة بالمغرب، حيث اشتهر أهالي عدة مدن مغربية بهذا العمل، مثل مدينة فاس، مكناس، مراكش. ويعود هذا الاهتمام إلى كثرة وجود أشجار الرنج، وهو نوع من الفواكه يشبه البرتقال شكلا ولونا، ولكن مذاقه مر وتثمر أشجاره أجود أنواع الزهر خلال فصل الربيع.
الخوف من العين
وتروي سعدية، إحدى النساء اللواتي قضين سنوات عديدة في تقطير الزهر، أنها ورثت هذه العادة عن والدتها التي كانت تستمتع بتطبيق الطقوس والمراحل التي تبدأ بقطف الزهر إلى تخزينه لينضج. وتضيف أن من أهم تقنيات هذه العملية الفريدة الخوف من العين، فالناس تعتقد أنه إذا دخلت إحدى النساء إلى مكان التقطير فإن العملية لن تنجح، على اعتبار أن هذه العملية تتسم بطابع خاص، كذلك الخوف من دخول غريب إلى مكان التقطير من أن يكون على غير طهارة.
وتوضح الخطوات التي يجب أن تكون على شكل متتال ومنظم، حيث تقول: أول ما نقوم به عند حلول فصل الربيع و ظهور زهرة الرنج، هو القطف، ويتم ذلك خلال الصباح الباكر ومن ثم نضع ما قطفناه داخل أوعية مصنوعة من القصب، ويجب أن يتوفر لدينا أدوات التقطير التي تسمى «بالقطارة»، وأجودها من النحاس، وتتألف من ثلاثة أجزاء «البُرمة»، وهي عبارة عن آنية من نحاس مقعرة الشكل بداخلها ماء.
«الكسكاس»، وهي آنية مقعرة الشكل أيضا ويوجد بأسفلها ثقوب صغيرة، وهي التي توضع بها الزهور.
«الرأس»، وهي آنية وسطها مقبب الشكل، يوجه الفراغ منه إلى الأسفل وبه أنبوبان.
نساء بملابس بيضاء
بعد عملية القطف يتم تجهيز الآنية المخصصة للتقطير خلال الليلة التي تسبق موعد العمل. وتقول سعدية إنهن يحرصن في اليوم التالي بعد صلاة الفجر، على الاستعداد لعملية التقطير، وعادة ما تكون النساء من المتقدمات في السن ويرتدين ملابس بيضاء معطرة بالمسك، ويشترط فيهن أن يكن على وضوء، وأن يصلين ركعتين، ثم يبدأن العمل، وأولى خطواته تنظيف المكان الذي ستتم فيه العملية، مع نشر البخور، إضافة إلى تجهيز القوارير التي سيخزن فيها ماء الزهر، وذلك من خلال تعطيرها بالعود والمسك، حتى لا تختلط رائحة الورد بأي رائحة غير مرغوب فيها.
3 تقطيرات مختلفة التركيز
وتشير سعدية إلى أن العملية تمر باهتمام كبير من النساء ومحافظتهن على كل مرحلة والقيام بها على أتم وجه. وتمر عملية التقطير بثلاث مراحل، حيث يوضع الزهر ليستخلص منه الماء عبر ثلاثة مستويات تحدد بشدة تركيزه، وهو ما يعرف بـ»التقطيرات الثلاث»، حيث يستخرج من التقطيرة الأولى ماء زهر مركز له رائحة قوية، وهو الذي يستعمل في الغالب خلال المناسبات، ويوضع داخل «المرشة»، أما التقطيرة الثانية، حسب ما تضيف سعدية، فهي المستعملة في إعداد الحلويات والمشروبات، وأخيرا التقطيرة الثالثة التي تستعمل كنكهة خفيفة، أو كمعطر.
ويكاد ماء الورد يكون حاضرا في كل المناسبات اليومية داخل المجتمع المغربي، حيث يستعمل في إعداد الكثير من الوجبات، خاصة في فصل الصيف، وذلك لإضفاء نكهة خاصة على السلطات، والمشروبات الباردة أو الساخنة مثل القهوة، والشاي، كما يُنكه به الحليب، ويمسح به التمر ليقدم إلى الضيوف المميزين، أو خلال حفلات الخطوبة والزواج. ويدخل ماء الزهر في الحلويات المغربية التقليدية، ويستعمل أيضا لتعطير الجو من خلال المناسبات، كما يتم رشه في أكف الضيوف كنوع من الترحيب.