مسن بلغ من الكبر عتيا، نادى في أروقة فندق يقطنه مثقفون مشاركون بسوق عكاظ، بصوت تخنقه رعشة الشيخوخة، سأل رجلا يسبقه الخطى أن يتوقف، كرر «عبدالعزيز» النداء: «إبراهيم ..إبراهيم»، استوقف الصوت الأخير، فاستدار باحثا عن مصدره، تعانقت الأبصار، تصافحا بحرارة، وانشغلت يداهما اليسريان بمراسم تسليم واستلام لورقة أسطرها مثقلة بالحبر من الجهتين، لم يدم اللقاء طويلا، إذ افترق ذاك القادم من قلب نجد وهذا الزائر من أقصى الجنوب دون نقاش.


وثائق العقود الستة

على بعد نحو 40 كلم من موقع الحدث وتحديدا على جادة سوق عكاظ تدور رحى المنافسة، وتستمر معركة المعاكظة التي أنجبها رحم العرفاء قبل 15 قرنا، فيما صهيل الخيل يضج به المكان، وتردد الجبال صدى معلقة عمرو بن كلثوم، إلا أن الحراك الثقافي المحلق في سماء جادة «عكاظ» أبى إلا أن يشد رحاله جنوبا صوب الطائف، حمي الوطيس بين المثقفين ممن حطت رحالهم بفندق يتوسط عروس المصائف، فالوثيقة التي كتبت بآلة عتيقة قبل 64 عاما، وقدمت من حريملا (وسط المملكة ) في حقيبة الأديب عبدالعزيز الخريف، لم تكن يتيمة، بل أصرت أن تأتي في معيتها وثائق كثر، من أبرزها واحدة تضم أسماء 14 ناجحا اجتازوا اختبارا جرت مراسمه في قاعة امتحان بمدرسة دار التوحيد قبل نحو ستة عقود ونصف.


البحث عن إجابة

بقيت ورقة الخريف ملازمة للشاعر والكاتب إبراهيم طالع الألمعي، وتسنمت أحاديث المثقفين وأشغلت الحاضرين وغلب الجدل حولها على ليلة سمر تتنفس شعرا، تتأرجح الورقة، يسجنها الألمعي خلف أصابع يده اليمنى تارة، وأخرى تحلق فتحط في راحة اليسرى، يسرح بعيدا ويتأمل في صمت، يقلبها ويمعن النظر في أسطرها، باحثا عن إجابة لسؤال أرقه، فالذي أعطاه الورقة غادر في صمت مورثا له ولمن معه مهمة البحث عن إجابة.
تتلاقح الأفكار، ويولد للسؤال أشقاء أكثر تعجيزا، إلا أن السؤال الأبرز ما الذي يريد أن يقوله الخريف؟ ما الرسالة التي أراد إيصالها بورقة امتحان نقل السنة الثانية كتبت عام 1372 (تقابل في الوقت الراهن السنة الثانية المتوسطة)، ورقة دون على جبينها شعار مديرية المعارف، وحررت في أروقة المدرسة الأعرق والأقدم في الطائف دار التوحيد التي فتحت أبوابها لطلبة العلم عام 1364.


سر المغزى

أتعبت التساؤلات قلب الألمعي وأجهدت فكره، فقرر أن يستعين بأصدقاء الفكر وأخلاء الأدب، رحلة البحث عن المغزى تباعدت مسافاتها، تشعبت آراء ودبت بينهم فرقة اختلاف وجهات النظر، فانهمرت إجابات المتكئين على جهات المقهى الثقافي الأربعة.
قال قائل: علّه أراد المقارنة بين تعليم الأمس واليوم، وكيف أن طالب ذاك الحين الصغير كان بالعلم كبيرا ونهل من المعرفة ما أوصله حد الاكتفاء، ورأى آخر، أنه أراد أن يوصل رسالة للأجيال تلمح إلى أن رواد سوق عكاظ لا بد أن يكونوا من أرباب الثقافة الذين محى تقليب صفحات الكتب بصمة أصابعهم، وأصبحوا ذات يوم منارة للثقافة ومنبرا للأدب الحي وخلدت صفحات التاريخ أسماءهم.