بين الحين والآخر تنشر الصحف أخبارا عن محكومين بالقصاص يطالبهم ذوو الدم بملايين الريالات مقابل العفو؟ فهل هذا يصح تسميته عفوا؟ أم هو متاجرة بالدم؟
العفو -أيها الكرام- لا مقابل له سوى طلب الأجر والمثوبة من الله جل وعلا، لأن هذه الصيغة المليونية مقابل العفو تسمى (الثمن) الذي بموجبه يتنازل أهل القتيل عن حقهم في القصاص، ولو لم يقبضوا (الثمن) المحدد سلفا لما تنازلوا.
دعونا الآن من آليات جمع هذه الأموال، والمستفيدون منها من وسطاء، وغيرهم، ودعونا نبحث في الأسباب التي تدعو أهل القاتل يقبلون بهكذا شرط مليوني لإنقاذ ابنهم؟
المعروف أن هناك ثلاثة أنواع من القتل هي (العمد، وشبه العمد، والخطأ)، وحسب ما قرأت ودرست بأن القصاص في القتل العمد، أما شبه العمد ففيه الدية المغلظة، وفي الخطأ الدية الطبيعية، وهناك تفصيلات يعرفها الفقهاء والقضاة، فهل كل أحكام القصاص هي للقتل العمد، فإن كانت كذلك فأعتقد أنه يجب منع طلب هذه الملايين نهائيا، فإما عفو لوجه الله وإما ينفذ القصاص.
ويبقى شبه العمد والخطأ، وهذان النوعان ليس فيهما قتل، ولهذا يجب تحديد قيمة الدية المغلظة والدية العادية، ثم لا مناص أمام ذوي الدم سوى قبولها حيث لا حق لهم في القصاص.
ما الذي يحدث؟ يقول البعض إن جميع أنواع القتل الثلاثة يحكم فيها بالقصاص، فهل هذا صحيح؟ أسأل لأنني لا أعلم، وقد يكون في ذلك حكمة لا أعرفها، لكن إن كان صحيحا فإن قبول أهل القاتل خطأ أو شبه عمد بتحمل هذه الأثمان المليونية في سبيل إنقاذ ابنهم مبرر، فهم يشعرون أنه بريء، ولا مانع لديهم من تحمل ذلك مهما كانت ظروفهم، وأهل القتيل هم أيضاً يعرفون هذه الحقيقة لكنهم يستغلون الموقف، وربما أن هناك وسطاء مستفيدون هم من يحرض ويجمع الأموال.
إنني أتساءل فقط، ولعل غيري ممن هم أكثر علما واطلاعا يجلي الأمر، الذي أعرفه فقط أن هذه الديات المليونية ظاهرة ملفتة ومثيرة للتساؤلات، وهي ظاهرة لا أظنها موجودة -حسب علمي- عند غيرنا.