كلّما كان «الوعي» هزيلاً في بنيته، تعدّدت مظاهر «النّفرة» تناقضاً بين شيئين، الأصل فيهما: الألفة تقارباً حدّا يشي بأنهما شيءٌ واحد.
وحين يتعافى «الوعي» جرّاء التداوي من عِلله، تتكاثر بالتالي مظاهر التّداخل لحمةً بين شيئين كان يُظنّ -بادي الرأي- ألا تلاقي بينهما، باعتبار أنّ الأصل فيهما «التعارض» وَفقَ رؤى مَن لا يمكن لهم أن (يتعايشوا) إلا في ظلّ جلبة خصومةٍ وقعقعةِ احتراب مأزومٍ. ذلك أنّ «السّلِم الاجتماعي» يسلِب المتأدلجين (شهودهم) البطولي، ويطوّح بهم بعيدا عن أن يظفروا بالمشهد كلّه، ابتغاء أن يستوعبوه كلّه عبر صورهم ومن خلال ظاهرةِ أصواتهم!
وإنّ مَن يدرك هذه المسلّمة، يكتشف أنّ وهن «الوعي» بلْه افتقاده، هو مَن قد يسأل عن كثيرٍ من غلواء «صراعاتنا» المحتدمة، التي ما ثَمّ من فاز فيها غير ذلك «الشيطان» الذي قد استمرأ اللعب على مناطق «التحريش» بيننا.. ولعلّه قد أفلح!
وهذا ما يمكن قوله في أمر «الوطنية» و»التدين» إذ إنّ مَن فاته الوعي بشأنِ «التأصيل» لهما شرعاً/ وسياسة وما يُلحق بهما عادة من أدوات «التأصيل»، فقد حُرِم إدراك معنى درء التعارض -المتوهم- بينهما، وأضاع جهدا من وقته/ ومن أخلاقياته في سبيل معركةٍ ليس فيها منتصرٌ بمقاييس «البناء»، ولا غلبة لأحدٍ على آخر إلا على معنىً من معاني «الهدم»!
وبكلٍّ فإنّ الخروج مِن تأزم صراع «الثّنائيات»، إنما يتمّ بطريقةٍ معتبرةٍ شرعاً وعقلاً، وذلك بتوسّل منظومة «القِيم» المصحوبة بمعايير «العقلانية» الراشدة، ابتغاء تفكيك (وهم التناقض) الذي أنشأته فهومٌ استثمرت درسها كلّه في الاشتغالِ على التأسيس تراكميّاً لـ»ذهنيّةٍ» لا يمكنُ لها -هي الأخرى- أن تُبصر ما حولها مِن ناسٍ ومِن أحداث، إلا من خلال النّظر «المريب» لأي جهدٍ يسعى حثيثاً في محاولة إعادة ردّ «الثنائيات» على بعضها، إذ لا تستقيم «حياةٌ» تكرّس في أبنائها «العقل التناحري»، ذلك الذي يتغذّى بنزعةٍ فقهيّةٍ، تأبى إلا أن تجعل «الأصل في الأشياء الحُرمة» مناكفة في ذلك الدّال الشرعي/ والمعطى العقلي.
وبالجملة.. فإن العملَ الراشد في خلق مناخ من تناغم يجمع ما بين «التدين» و»الوطنية» من شأنه أن يُلقّح الممارسة -العقلية- ويدفع باتجاه إخصابها فيتمخض عنها تالياً «قوة» تفتح لنا آفاقاً من نجاحاتٍ تعدّ من أجل مكتسبات «إنسان» هذا الوطن.
ولئن قلنا إن المعضلة تكمن في الفهم «الشرعي» من لدن البعض، فإنه في المقابل ليس أوفى من «العمل الشرعي» في إنجاز مثل هذا المشروع الذي إن استثمر بصورة صحيحة سيؤتي ثماره في ردم كلّ هوّة تفصل ما بين اثنين هما شقان لأصلٍ واحد.