بانكسار جلس المواطن البائس أمام موظف التحصيل في “مصلحة الزكاة والدخل” وهو يقلب ملف أوراقه الضخم، ويترجى الموظف أن يشرح له عن كيفية الدفع للمصلحة، والتي حولت جميع إجراءاتها لموقع الكتروني لا يفهم فيه.
المواطن البسيط كان في السابق يمتلك محل “فول”، وكان يربح منه رزقه ورزق أسرته بشيء من المخاطرة، ولكنه اليوم وبعد ترحيل العمالة اضطر لإغلاق المحل، والجري لاهثاً خلف الجهات الرسمية المتعددة فلعله أن يتمكن من استقدام عاملين لمعاودة تشغيله.
ويترجى الموظف: أنا لا أعرف كيف أنشئ كل تلك المواقع الإلكترونية المطلوبة، للجوازات، ولمكتب العمل، وللغرفة التجارية، والتأمينات الاجتماعية، وللبلدية، والبريد، وللزكاة والدخل، التي أدفعها عن غير حق فمحلي مغلق لم يعمل طوال السنة الماضية!.
ويرد الموظف بضجر: يا أخي لا “تدوشنا”، اذهب وانشئ كل تلك المواقع، وانتظم بدفع الرسوم السنوية لجميع الجهات الأخرى من خلال النظام الإلكتروني، وادفع زكاتك، وأكمل بقية إجراءاتك لتتمكن من التقديم على وزارة العمل لإحضار عمالة.
ويحبط المواطن، فالأعمال المطلوبة مرهقة، وهي أكثر كلفة مما ينتظره من رزق بسيط.
ويتنازعه قهر وغضب، ويكاد أن يرمي بأوراقه على الأرض، وأن يدوس على تجارته الموهومة، التي صارت تقتات على رزق أبنائه.
يدخل عليهما أحد “الهوامير”، فيبش الموظف مرحباً، ويستلم منه أوراقه، ويتمتم بنفس الخطوات، التي طلبها من المواطن المسكين.
فيسأل المواطن “الهامور”: هل عندك مشكلة موظفين مثلي؟. فيرد “الهامور”: مشكلة “عويصة” فليس عندي إلا ثلاثة آلاف وخمسمئة موظف!. فيصعق المواطن، وينزوي خجلاً بينما يوضح الموظف: الإجراءات موحدة لأي تاجر مهما كان حجم أو نوع تجارته!. ثم يحدج المواطن بنظرة ذات مغزى، ويضيف: أي نقص في معلومات المواقع الإلكترونية، وفي سداد الرسوم، يؤدي لإيقاف جميع المعاملات الخاصة بالتاجر.
فيحتج المواطن: ولكنكم بذلك تقتلون المشاريع الصغيرة، وتجعلوننا طعاماً “للهوامير”.
فيضحك “الهامور” وتهتز كرشته: أحد أجبرك تكون تاجر؟.
وعندها يبدل الموظف الموضوع: يا طويل العمر لماذا جئت بنفسك، لو أرسلت أحد موظفيك المسجلين على التأمينات بتفويض كنا سهلنا له جميع الإجراءات.
وينسحب المواطن تائهاً مبتلاً بعرقه، بعد أن أيقن أن البلد تتحول إلى بحيرة “هوامير” متوحشة تقتات على الأسماك الصغيرة.
التجارة في بلدنا تتحول لنظام السلاسل، فالصيدلية تصبح سلسلة من عشرات الصيدليات وتقتل أي صيدلية يتيمة، والبقالات الصغيرة تبتلعها (الهايبر ماركت)، والمغاسل والحلاقين والخبازين كذلك.
المشروع الصغير محارب على جميع المستويات، والتعجيز يحصل بأن يكون مطلوباً من المؤسسة الفردية الصغيرة نفس المتطلبات المتعينة على أضخم الشركات!.
الإجراءات المعقدة تحبط الصغار، والأمر ينذر باضمحلال طبقة الوسط، فإما أن يكون المواطن “هامورا” مفترسا، وإما أن يكون سمكة ساردين مُستهلكة، لا تجد في لقمتها إلا صنانير الصيد الجائرة، والتي تحملها إلى مقلاة الزيت المحمي، أو إلى أحضان الجمر.