منذ 1377 وإلى 1434 لم تَصْدُرْ في مكَّة المكرَّمة إلَّا صحيفة واحدة هي «النَّدوة»، وها هي ذي صحيفة «مكَّة»، تَصْدر في عامنا الهجريّ الحالِيّ 1435، أيْ بَعْد صُدور «النَّدوة» بنَحْو ثمانٍ وخمسين سنةً.
والحقّ أنَّ خُلُوَّ مكَّة المكرَّمة مِنْ صحيفة تزاحم «النَّدوة» سِتَّة عقود أمرٌ غريبٌ، ومَبْعَثُ الغرابةِ أنَّ المُدَن السُّعوديَّة الَّتي عرفتِ الصُّحُف اليوميَّة إنَّما هي عِيَالٌ على مكَّة المكرَّمة في الصِّحافة، كما هي عِيَالٌ عليها في الطِّباعة والثَّقافة ودواوين الدَّولة.
والَّذي تَسُوقه هذه المناسَبة أنَّ مكَّة المكرَّمة عرفتِ الطِّباعة سنة 1300/ 1883، وعرفتِ الصِّحافة سنة 1326/ 1908، وآذنَ هذان الحدثان بإنشاء غير صحيفة في مكَّة المكرَّمة، ثُمَّ حِينَ شَبَّ المجتمع واشتدَّ ساعِدُه أضحتْ مكَّة المكرَّمة وكأنَّها لم تَشْهَدْ ذلك الحدث، وفي بطحائها وُلِدَتْ الصِّحافة وحَبَتْ وترعرعتْ.
وصُدُور صحيفة «مكَّة» اليوم، يَبْعَثُ تاريخًا مَنْسِيًّا لهذه المدينة، يَنْبَغي أن يُعْرَف، فَعُمْرُ الصِّحافة في بلادنا إنَّما بدأ بصحيفة «حِجَاز» الَّتي أُنْشِئَتْ قبل صُدُور صحيفة «مكَّة» بنحوِ 109 سنوات، وتَبِعَها في الصُّدور، في مكَّة المكرَّمة، صُحُف «شمْس الحقيقة» 1327/ 1909، و»القِبْلة» 1334/ 1916، و»الفَلَاح» 1338/ 1920، و»أُمّ القُرَى» 1343/ 1924، و»صوت الحجاز» 1350/ 1932، و»حِرَاء» 1376/ 1956، و»النَّدْوة» 1377/ 1958، ومنذ ذلك الحين لم يبقَ في مكَّة المكرَّمة إلَّا صحيفتان: «أُمّ القرى»، وهي الصَّحيفة الرَّسميَّة للدَّولة، و»النَّدوة» الَّتي غادرتِ الصِّحافة 1434.
وفي السَّنوات التِّسْع بَعْد المِئَة الَّتي هي عُمْر الصِّحافة في هذه المدينةـ تَغَيَّرَت ضُرُوب الحياة في مكَّة المكرَّمة، منذ ذلك التَّاريخ الَّذي جعلتْ فيه صحيفة «حِجَاز» تُزَيِّن لأهْل مكَّة المكرَّمة الإقبال على قراءة هذا الوافِد الجديد، الَّذي لعلَّهم دَعَوْه «جريدة» أوْ «صَحيفة»، أوْ «جُرْنالًا»، وأنْ تَصْرِفهم عمَّا أَلِفُوه مِنْ ألوان المعاش والحياة- وأقربُ الظَّنّ، في وقتنا الحاضر، أنَّ القائمين على صحيفة «مكَّة» يُحِسُّون الإحساس نَفْسه الَّذي أَحَسَّهُ أسلافهم: كيف يُزّيِّنون لقرَّاء هذه الصَّحيفة في مكَّة المكرَّمة وسائر مُدُن المملكة، بلْ في مختلِف الأصقاع، الإعراضَ عمَّا هُمْ فيه والإقبال على صحيفة اسمها «مكَّة»، وتصدر في مكَّة المكرَّمة.

