لا أخفي إعجابي الشديد بالشعب الياباني وبلده اليابان أو «نيبون» أي منبع الشمس، فلم تمنع هذه البلد عزلتها الجغرافية من أن تكون ثاني أكبر الدول قوة علمية واقتصادية. لقد مرت اليابان بتجربة الخروج إلى التطور بتحقيق هذه المعجزة الاقتصادية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945م) على يد الجيش الأميركي وتلقيها قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناجازاكي عام 1945م. وبالرغم من الظروف الشاقة والأسى الذي تعاني منه الشعوب في أيام الحرب عادة، إلّا أنّ اليابان نجحت في النهوض من تحت الأنقاض بثقة وأمل من دون اللجوء إلى الإشفاق على الذات أو استدرار عطف الغير . وكذلك بلغت من النهوض ما جعل معدل تطورها الاقتصادي يرتفع ليتخذ موقعاً متقدماً لتجيء بعد الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة، مع العلم بأنّ مساحة اليابان البالغة 145,730 ميلاً مربعاً هي تقريباً 25 مرة أصغر من مساحة الولايات المتحدة وأصغر أربعين مرة من مساحة العالم العربي. وبالرغم كذلك من أنّ المناسبات الرسمية في اليابان أكثر من 15 عيداً ومناسبة رسمية تتوزع بين المناسبات الإنسانية والبيئية على مدار السنة، ثلاث فقط منها مرتبطة بالدولة، إلّا أنّها لم تعمل على تكاسلهم وتراخيهم، فمعروف عن الياباني احترامه وحبه للعمل حيث يعمل أغلب اليابانيين أوقاتاً إضافية ويعود الرجل متأخراً إلى داره لأنّ الزوج الذي يعود مبكراً من العمل يمثل خيبة أمل للأسرة، لأنّه بذلك يُعدُّ غير هام بالنسبة للمؤسسة التي يعمل بها. وإذا أنزلنا هذا المقياس في بلداننا السعيدة فسنتوصل إلى كمٍّ كبير من خيبات الأمل بالنسبة للأسر لأنّها ستكتشف بناءً عليه عدم أهمية عائليها بالنسبة لمؤسساتهم. وعن الحيوية والنشاط فإنّ لديهم كثيرٌ من الاعتقادات التي تتحكم بسلوكهم في نبذ الكسل، فعلى سبيل المثال فهم يعتقدون أنّه إذا نام الشخص أو استرخى بعد تناول الطعام مباشرة، فسيتحول إلي بقرة ! أكثر ما يشدني لشعب اليابان اللطيف هو حبّ الياباني لوطنه وتفانيه في خدمته من أجل أن يكون مواطناً صالحاً، وكذلك تقديسه للزمن وسيادة الروح الجماعية في العمل والحياة وعزيمتهم وتسامحهم. وأكثر ما يثير الإعجاب هو التحية اليابانية بواسطة الانحناء، وذلك لفرادتها واختلافها عن سائر أشكال التحايا عند شعوب أخرى شرقية كانت أم غربية. هذه الانحناءة في اليابان تعني التقدير والإجلال وأحياناً الاعتذار، وتحتفظ في الوقت نفسه بالحميمية والبشاشة المطلوبة في وجه الضيف أو من يقابلك في أي مكان، فعندما ينحني شخص لك فإنّ العرف العام هو رد الانحناءة بمثلها. والانحناءة من شخص أعلى مقاماً يعني الرد عليها بانحناءة أكبر ولمدة أطول. وككل النماذج اليابانية المصدّرة للعالم فقد تمّ اختيار التحية اليابانية كنموذج وذلك بأن دعت بعض الدراسات في مجال الصحة إلى محاربة التحية بالتقبيل والمصافحة لما لهما من آثار على صحة الفرد بالمساهمة في انتقال العدوى للعديد من الأمراض. واقترح باحثون أميركيون استبدال الطريقة التقليدية في التحية، بضرب المرافق أو اتباع النموذج الياباني الشهير وهو الانحناء. ودعم خبراء الفيروسات في جامعة كاليفورنيا بتقديمهم هذا الاقتراح بعدم التقبيل أو استخدام اليدين للمصافحة، وذلك منعاً لانتقال الفيروسات المسببة للأمراض المعدية، مثل تلك المسببة لالتهاب المعدة والإنفلونزا. الثقافة اليابانية هي جزء أصيل من الثقافة الشرقية التي تتسم بالحب والمودة وتنحو باتجاه التعبير عن المشاعر بحرارة. وإذا أخذنا بحقيقة أنّ كثيراً من العادات اليابانية لها تشابه مع الأخلاق الكريمة التي لها أصل في ديننا الإسلامي الحنيف مثل الحرص على النظافة واحترام وتقدير الآخرين وعدم الإسراف في الأكل والكلام، فلماذا يا ترى يلتزم اليابانيون بها وهي بالنسبة لهم مجرد أخلاق عامة وعادات ولا نلتزم بها نحن وهي تعاليم دين وعقيدة؟
إنّه شعب أدمن الالتزام فحصد التفوق، ونحن ما زلنا نبحث عن أسرار نجاح الغير وتميزهم علينا لنتخذ الطريق المعاكس!