يقول آينشتاين "أخشى اليوم الذي تطغى فيه التكنولوجيا على التواصل بين البشر، سيكون في العالم جيل من الحمقى"، وقد صدقت تنبؤات هذا العالم الكبير الذي افترست التجاعيد ملامحه وغزاه الشعر الأبيض من فرط عبقريته في حياته.
فذات زمن فارط في الحلم والطيش الجميل كانت ذاكرتنا الرقمية تكنز كما مهولا من الأرقام الثابتة لأرواح متحركة، وكنا - كأصدقاء - نتراهن على أقوى ذاكرة فولاذية تحتفظ بأكبر عدد من أرقام الهواتف وقتذاك، بل إن بعض الأرقام كنا نحفظها كشكل هندسي على لوحة مفاتيح الجهاز.
والآن اختزلنا الذاكرة الحية في شريحة (ميكرو) لا تتعدى مساحتها 1سم مربع، وفقدنا مهارة التواصل الشفيف عبر أنامل دافئة تداعب قرص الهاتف أو أيقوناته المرقمة للاتصال بصديق غرق في غربته المريرة، أو صديقة عصفت بها رياح الحياة الهوجاء.
إن الحميمة التي كانت تجمعنا مع هذا الجهاز القديم فقدناها مع ظهور الأجهزة الذكية والعالم الرقمي والثقافة البصرية التي اكتسحت العالم، وظل هذا الجهاز مركونا في منازلنا ينتظر نظرة عابرة أو لفتة إنسانية تُعيد له النبض في أوردته المتدليّة في ليلٍ من الآهات الساخنة.
لقد كان وسادة العشاق، وساعي بريد الأقارب، وجابر قلوب المتلهفين لنغماته المغسولة بحنين جارف، وها هو الآن يتقاعد مبكرا، راثياً نفسه بعد أن خمد صوته ومات مأسوفا على ماضيه الأبيض ..مشنوقا بأسلاكه السوداء!ومع انصراف الناس عن هذا الجهاز الجميل في منازلهم، عادت شركات الاتصالات تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ليس وفاءً لتأريخه، بل محاولةً منها للتكسّب مجددا من جيوب المشتركين بطرق مختلفة وإغراءات متعددة، فقدمت العروض الترويجية في محاولة منها لإحياء أشلاء هذا الجسد المثخن بجراح المحبين، ولكن مع الأسف عاد كجثة هامدة لتشغيل جهاز شبكة الانترنت (المودوم)، لاجئا إلى ركنه القصي، يعلوه غبار الخيبات القاتلة، ويغشاه جمود اللحظات المخاتلة! ..ويكفي.