يصادف يوم الأحد، 6 أبريل، الذكرى السنوية العشرون لبداية حرب الإبادة في رواندا، ولعل من المفيد أن يتذكر العالم تلك الأحداث الفظيعة التي ذهب ضحيتها أكثر من 800 ألف شخص خلال فترة زمنية قياسية.
وفيما تضعف الذاكرة الجمعية للعالم حول ما حدث في رواندا، لا تزال الفظائع ترتكب في مناطق مختلفة من العالم دون الالتفات إلى الخطاب السياسي الذي يوجه إليها بين الحين والآخر.
إن من الغريب أنه في المناطق التي تحدث فيها أحداث قتل جماعية، وخاصة أحداث القتل الناجمة عن أعمال عنف، تتوقف الطيور والحشرات عن إصدار الأصوات والضجيج. ذلك كان أول شيء لاحظته عندما سافرت إلى رواندا، قادما من أوغندا، في أوائل شهر مايو من عام 1994. الصمت المطبق لم يكن بالإمكان تجاهله.
كانت أعمال القتل قد بدأت في 6 أبريل، 1994، عندما تم إطلاق النار على الطائرة التي كانت تقل رئيس رواندا في ذلك الوقت، جوفينال هابياريمانا، وإسقاطها في العاصمة كيجالي فيما كانت تحاول الهبوط. على مدى الشهور الثلاثة التالية، أصبحت رواندا قل قتل فظيع حيث بدأ السكان من قبائل الهوتو المؤيدين لحكومة هابياريمانا يطاردون أبناء قبائل التوتسي وقتلهم بعد اتهامهم بقتل الرئيس. رأيت آلاف الجثث المنتفخة تتجمع عند شلالات ريزومو مثل أكوام من الألعاب المطاطية المرتعشة وهي تهبط من أسفل النهر إلى بحيرة فكتوريا.
المنظمة الإنسانية التي كنت أعمل فيها ذهبت إلى قرية صغيرة اسمها روتاري، حيث كان حوالي 10 آلاف لاجئ من التوتسي قد لجأوا إليها. خلال ثلاثة أسابيع وصل عدد سكان مخيم روتاري إلى ما يزيد عن 125 ألف حيث كان أبناء قبائل التوتسي يتوجهن شمالا قبل أن يصل إليهم القتلة من قبائل الهوتو. قدمنا للاجئين الرعاية الصحية والمياه النظيفة، وعندما غادرنا كان مخيم روتاري قد تكفل برعاية 930 ألف طفل فقدوا أهاليهم.
في شهر يوليو، بعد تراجع حدة المذابح، ذهب بعضنا إلى العاصمة كيجالي. كانت الجثث متناثرة في الشوارع وكانت الحقول والخنادق والجداول مليئة بأكوام من الجثث الكاملة أو أجزاء من جثث. سمحت سيدة كانت ترتدي الزي الرسمي لجبهة رواندا الوطنية –وهي الجبهة التي كانت تقاتل النظام المجرم وهي حاليا في السلطة- لي وللفريق الذي كان معي باستخدام أحد المنازل. اسم السيدة كان روز كابويا، وكانت تحمل رتبة رائد، وقد أصبحت فيما بعد محافظ العاصمة كيجالي. بقينا في المنزل ثلاث سنوات.
تركز اهتمامنا على إعادة تأهيل مستشفى كيجالي المركزي، وكان يحتوي على 600 سرير لكنه تعرض للسرقة والتخريب، واستخدمته العصابات القاتلة كميدان لارتكاب جرائم القتل أيضا. كان فريقنا يضم 30 موظفا، وقمنا بتنظيف المستشفى بالكامل من أكوام الجثث التي كانت بداخله، والتي كنا نكدسها على نقالات من القماش وننقلها إلى الخارج.
كل شخص التقيت به هناك كانت له قصة. إحدى النساء قالت لي إنها أُجبرت على حفر قبر وتقرر أي واحد من أبنائها السبعة تختاره لتدفنه حيا فيه. إذا رفضت، سيتعرضون جميعهم للقتل. خلال أسابيع، كانت قد دفنتهم جميعا. عندما التقيت بها، كانت قانطة تماما ومشوهة بسبب الجراح التي أصيبت بها بالسكاكين والمناجل.
في 1998، زار الرئيس الأمريكي بيل كلينتون العاصمة كيجالي. كلينتون اعتذر للشعب الرواندي بسبب خذلانهم –بسبب التصرف ببطء شديد وعدم القيام بما يكفي. لأنني كنت هناك خلال جنون القتل والفظائع، سأبقى دائما على قناعة أن بضعة آلاف من القوات الدولية مع تفويض حقيقي للقتال كان بإمكانهم أن يمنعوا المذابح والمجازر هناك.
السياسيون والأكاديميون يتحدثون عن الدروس التي نتعلمها من آخر الفظائع التي تُرتكب. ولكن لم يعد لدينا ما نتعلمه عن جرائم القتل الجماعي.نحن نعرف ما هي. قرارات الأمم المتحدة لم تكن ذات قيمة. محكمة الجنايات الدولية ليس لديها السلطة لتطبيق مذكراتها.
الوقت المناسب للقيام بشيء ما ليس بعد انتهاء عمليات القتل. المجتمع الدولي يصدر بيانات في السياسة الخارجية تعتمد على القيم، لكن المصالح السياسية هي التي تسود في النهاية عندما يأتي وقت العمل. لا يمكن تصديق القادة الذين يقسمون أحيانا «لن يحدث هذا مرة أخرى.» وضع حد للإبادة ليس عملا أكاديميا. الشر لا يمكن مقاومته إلا بإرادة صلبة بالوقوف ضده في اللحظة التي يهدد فيها وضع في مكان ما بحدوث إبادة جماعية، حتى لو كان هناك ثمن سياسي لذلك.
* وول ستريت جورنال

