بدأت الصوماليات بعد سنوات من إرهاب القاعدة والحروب، يطلقن حناجرهن بالغناء والفنون، ومعهن أترابهن الشباب، استجابة لدعوات لمواجهة الإرهاب وخطره على المجتمع ونشر ثقافة السلام والمحبة.
ويبدو أن الصوماليين كانوا ينتظرون فرصة للتغلب على الاقتتال والحروب، وجاء برنامج «صومالي آيدول» ليفتح نافذة في هذا الاتجاه، فتدافع أكثر من 3 آلاف شاب وشابة للمشاركة وإظهار مواهبهم، وتمكن ألف منهم من المشاركة، وفازت عنب صالح باللقب. وكانت مكافأتها جائزة مالية، وكذلك تهديد من حركة الشباب (ذراع القاعدة)، إلا أنها واجهت التحدي بالعزم على مواصلة الغناء.
صومالي آيدول الفن يقارع الإرهاب وينفض غبار الحرب
نظمت هيئة المسرح الصومالي بالتعاون مع معهد البحوث والحوارات وبعض الفضائيات الصومالية مسابقة غنائية “صومالي آيدول” على غرار “آرب آيدول” و”أميركان آيدول”، بهدف مواجهة الإرهاب وتوعية المجتمع من هذه الظاهرة التي حلت على البلاد، ونشر ثقافة السلام والمحبة في أوساط الشباب الذين نشؤوا في حقبة الحرب إضافة إلى الحيلولة دون انضمامهم إلى صفوف حركة الشباب الصومالية، واجهة تنظيم القاعدة الدولي في شرق أفريقيا.
وشارك نحو ألف شاب وشابة صومالية في المسابقة في فبراير الماضي لمكافحة الإرهاب بالغناء.
وأقيمت فعاليات مصاحبة للمسابقة من بينها دورات تدريبية وتأهيلية للشباب الصومالي علي أيدي أساتذة وموسيقيين في مجال الموسيقى والغناء، ثم بثت المسابقة كحلقات تلفزيونية في بعض الفضائيات الصومالية.
عودة الحياة
ووصف مراقبون في الشأن الصومالي تنظيم المسابقة بعودة الحياة الطبيعية للبلاد تدريجيا ونفض غبار الحرب والرعب من البلاد عامة والعاصمة الصومالية خاصة التي حولتها الجماعات المتشددة والإرهابية إلى مدينة أشباح، خاصة بعدما فرض تنظيم القاعدة وحليفه المحلي حركة الشباب المتشددة سيطرتهم على مجمل الأوضاع في البلاد من جهة، والحرب العنيفة التي تشنها القوات الأفريقية ضدهم من جهة أخرى، مما جعل البلاد ساحة قتال وحرب لا تعرف غير لغة الموت والدماء.
وأبدى الصوماليون ترحيبهم بالمسابقة التي حظيت باهتمامهم ومتابعتهم بعد عقدين من الحروب الطاحنة، كما أنها كانت خطوة أولى في اتجاه استقطاب الشباب الذين تربوا في حقبة الحرب، ومنعهم من الانضمام إلى صفوف حركة الشباب واجهة القاعدة في شرق أفريقيا.
3 آلاف متقدم
وقال منظمو المسابقة إن عدد المتقدمين بلغ 3 آلاف شاب وشابة، اختير من بينهم ألف متقدم.
وحرم ضيق ذات اليد وشح الإمكانات المادية واللوجستية بقية المتقدمين من المشاركة في البرنامج لضيق القاعات والمسرح الوطني في مقديشيو، التي خفتت فيها منذ سنوات صوت الفن والموسيقى ليعلو صوت الرصاص والقصاص بين الفرقاء المتناحرين.
وواجه المشروع صعوبات مالية وخطر الهجمات الإرهابية، خاصة أن الفائزة بالمسابقة أنثى في مجتمع ذكوري متطرف تسوده الفوضى وحالة اللادولة.
وكانت الجائزة الأولى من نصيب الفتاة الصومالية عنب صالح، ومنحت ألف دولار كجائزة للمركز الأول في المسابقة.
تهديد الفائزة
وكشفت عنب صالح الفائزة بلقب “صومالي آيدول” عن تعرضها للتهديد بالقتل من قبل حركة الشباب المتطرفة والمرتبطة بتنظيم القاعدة،إلا أنها أكدت عزمها على مواصلة ما بدأته وتحديها الإرهاب والموت بتسجيل ألبومات جديدة كلاسيكية وشبابية لمواجهة الإرهاب.
من جهته أشار المطرب الصومالي محمد حسن لفولي العائد من بريطانيا في تصريح خاص لـ”مكة”، إلى عراقة الغناء الصومالي، محذرا من انقراض هذا التراث الغني والمتنوع.
وقال: من دون الغناء لن يبقى لمجتمعنا شيء.
ضرب القاعدة بالموسيقى
خلال العامين الماضيين أعيد تأسيس 40 فرقة موسيقية كلاسيكية وشبابية في مقديشو، وذلك بعد انسحاب حركة الشباب المتطرفة من العاصمة في أغسطس 2011 بسبب الضربات التي وجهتها لها القوات الصومالية والأفريقية المتحالفة.
وفسر هذا الرقم القياسي من الفرق الموسيقية إضافة إلى تنظيم مسابقة “صومالي آيدول”، على أنه يحارب الفكر الأصولي الذي انتشر في الصومال خلال فترة اللادولة أي تراجع الصومال من مجتمع الدولة إلى مجتمع القبلية.
وقال رئيس هيئة المسرح الصومالي عبد طوح لـ”مكة”: إن الصومال عانى كثيرا من الخلايا الإرهابية والمليشيات التي اتخذت من القتل والعنف وسيلة للوصول إلى سدة الحكم، موضحا أن المسرح الوطني يحاول استعادة دوره في التوعية للمجتمع خاصة الشباب لتحصينهم من الوقوع فريسة في أيدي الجماعات المتطرفة التي اتخذت من البلاد مسرحا مثاليا لبث الفوضى في القرن الأفريقي والعالم.
وراهن طوح على نجاح المسابقة في محاربة تسويق الأفكار الدخيلة التي تدفعهم لتنفيذ العمليات الانتحارية والاغتيالات السياسية.
وأشار طوح إلى مساهمة عدد من الكتاب والأدباء في تزويد الشباب المتسابقين بنصوص أغان تدعو مفرداتها إلى محاربة ظاهرة الإرهاب والأفكار المتطرفة الدخيلة على الصومال.
واعتبر طوح المسابقة محاولة لدعم جهود السلام وإعادة الدولة الصومالية إلى سابق عهدها، بجانب إحياء التراث الغنائي في الصومال الأصيل الذي غيبته ظروف الحرب الطاحنة، خاصة بعد تقدم أغلب الفنانين الصوماليين في العمر، ورفد الساحة بفنانين جدد.
عودة مشاهدة الأفلام وكرة القدم بعد سنوات من الحظر وإطالة اللحى
قال منسق معهد البحوث والحوار الصومالي أحمد نور حسن لـ”مكة”: إن الهدف من المسابقات الفنية، هو محاربة الإرهاب عامة وتنظيم القاعدة المتطرف خاصة، من خلال إحياء التراث والثقافة الوطنية للصومال التي غيبتها ظروف الحرب والإرهاب والأفكار الدخيلة المتشددة.
وأضاف: الفئة العمرية المستهدفة بالمسابقات تتراوح ما بين 18 عاما و25 عاما، وهي الفئة ذاتها التي تسعى الحركات الإهابية إلى استقطابها وضمها إلى صفوفها للقتال بأجندة غريبة عن مجتمعنا.
ووجه نور رسالة إلى الشباب الصومالي عبر “مكة” قائلا: شبابنا عيشوا بسلام، ولا تستمعوا إلى الذين يدعونكم للموت في سبيل أطروحاتهم المتطرفة، هم يدعونكم للموت انتحارا وقتل أبرياء آخرين معهم، ونحن ندعوكم إلى الحياة، هذا هو الفرق بيننا وبينهم.
وأكد نور أن حظر الموسيقى في الصومال من قبل القاعدة أضر بالفن الصومالي.
وكانت حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، حظرت الاستماع إلى الموسيقى والغناء في البلاد، وحذرت الإذاعات المحلية من استخدام أي موسيقى في برامجها ونشراتها الإخبارية.
واستمر حظر الحركة المتطرفة للموسيقى في الصومال 4 سنوات، هي فترة سيطرتها على معظم المناطق في العاصمة مقديشيو.
ويعتبر حظر الموسيقى ساري المفعول في بعض المناطق الجنوبية التي تسيطر عليها الحركة.
وتوقفت محطات عدة للإذاعة في البلاد آنذاك عن بث الموسيقى والأغاني، امتثالا لأوامر الحركة المتشددة.
وكان المسلحون الصوماليون أصدروا في الماضي قرارات مماثلة حظروا بموجبها مشاهدة الأفلام وكرة القدم، وجعلوا إطالة اللحى أمرا إجباريا.
وكذلك فر مئات من الأدباء والمطربين الصوماليين إلى الخارج إبان حركة الشباب، هربا من العقوبات التي تصدرها الحركة في حقهم بالقتل تعزيرا واتهامهم بمخالفة الشريعة الإسلامية ونشر الفساد في البلاد.
وبلغت نسبة البطالة بين الشباب 40 %، فيما بلغت نسبة الفاقد التربوي أكثر من 21 %، مما أسهم في رفع نسبة الشباب المنضمين إلى حركات الإرهاب ذات الفكر القاعدي عبر واجهتهم المحلية حركة الشباب خلال السنوات الماضية.
وبلغت نسبة الصوماليين الذين تقل أعمارهم عن 30 عاما نحو 70 % من إجمالي السكان، وثلثا هؤلاء الشباب يرغبون في الهجرة، فيما يتجه بقيتهم إلى احتراف أعمال العنف المسلحة خاصة في المناطق الجنوبية.

