لم يكن أحمد وعبادي وعلي يمرون بالقرب من منزل خالة صفية إلا ويتوقفون للشرب من الزير المليء بالماء العذب والتي كانت خادمة خالة صفية تملؤه بالماء كل يوم حسب أوامرها.
كان الثلاثي أحمد وعبادي وعلي يدرسون في المدرسة المتوسطة التابعة لأحد الأحياء القديمة في جدة، وكانوا يملؤون الحارة بهجة كلما مروا بها لعباً ودعابة ساخرة ومساعدة لكل من هناك.
كان للخالة صفية احترام خاص لديهم، فقد كان عمرها المتقدم يعطيها وقارا وكذلك سخاؤها وحكمتها وقوة شخصيتها.
لم تكن تخطئ في حكمها على أية شخصية، ولم تكن ترضى أن يدخل منزلها دنيء أو عديم خلق. كانت تقف بجانب الكل في تلك الحارة كبيرها وصغيرها قويها وضعيفها.
حين يذكر اسمها يخطر في بالهم روعة ما جبلت عليه من مكارم الخلق ونقاء الروح.. كانت تعلم البنات في الحارة أصول الكلام وأسلوبه، وضرورة الحشمة وذلك الجمال الذي يغلفها برقة. وكانت تعلم الصبيان كيف يكون الرجل شجاعا حازما بلا عنف ولا غرور، وكيف يكون شهما بلا اندفاع ولا غباء، وكيف يكون كريما بلا بذخ ولا استعراض.
كانت تعلم الأم كيف تكون رؤوما بلا منة على أبنائها، وبلا انتظار مقابل، كيف تكون تدفقا لا يتوقف ولا يكل ولا يمل، وكيف يكون العيب حارسا لكل ما هو جميل نبيل وليس شماعة لكل ضعف وعجز.
كانت الخالة صفية أعذب من ماء الزير الذي صنعه فنان ذلك الحي بأنامل لم تخذلها تقنيات ولا آلام مفاصل.
لم تعد أصوات ذلك الثلاثي تسمع في الحارة.. ولم يعد يملأ الزير ذلك الماء البارد العذب ولم تعد تفتح رواشين ذلك البيت الأبي. لم تعد تجد أحدا تعلمه ذوب روحها الخالة صفية. لم تعد الأيام هي الأيام ولا الأصول هي الأصول. شيء ما استبدل كل ذلك بمصنع من الثوابت التي لا تعرفها دماؤنا ولا يعرفها أناس مثل أحمد وعبادي وعلي.. ولا خالة صفية.. أين ذهبنا يا ترى؟ أين أنت يا خالة صفية وكل الصفيات الصفيات الصفيات؟
زير الخالة صفية
منى سالم باخشوين2 دقائق للقراءة

حجم الخط
