عندما تستعرض قصص القرآن تتضح لك الصورة أكثر فيما يتعلق بمقال سابق عن العمل السري، وتؤمن بأن العمل السري ليس إلا وسيلة حماية ولا يدخل في وسائل التحرير. ثم تكتشف أن العمل السري للوصول إلى الهدف من عادة أهل الشر لا من فعل أهل الحق.
وفي قصة بني إسرائيل أخبرنا الله عن الذين قتلوا نفساً ماذا فعلوا: (وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون).
وفي قصة يوسف عليه السلام نرى ما دبره إخوته من كيد له وتغييبه في الجب قال الله سبحانه: (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون). وبعدما جاؤوا أباهم عشاءً يبكون وأخبروه بقصة الذئب قال لهم عليه السلام :(بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون).
وبعد أن نجا يوسف عليه السلام من عمل إخوته وقع في كيد النسوة الذي أودى به إلى السجن بضع سنين وسماه الله كيداً واجتماعاً لهذا الكيد.
وفي قصة نبي الله صالح عليه السلام نجد مثل ذلك، إذ أخبر الله سبحانه عن عدد من قومه أسروا فيما بينهم قتل نبي الله صالح ومكروا ودبروا لذلك خطة غي قال الله عنهم: (وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، قالوا تقاسموا بالله لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون).
ومن الذين فضح القرآن بواطنهم المنافقون، وهم أصحاب سنة متبعة واحتراف في هذا الطريق، وتلاميذ لليهود أمة الدسائس والخبائث.
كان المنافقون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يعملون سراً لتقويض المجتمع الإسلامي وللإيقاع بالمسلمين ودولتهم، وما تركوا سبيلاً إلا طرقوه ولا منفذاً إلا دخلوه في محاربة المسلمين، وهم أخطر من اليهود لأنهم عدوٌ مختبئ في جسد الأمة لا يعرف المسلمون من أين يأتيهم الخطر.
وحديث القرآن عن المنافقين مستفيض في سورة التوبة والمنافقون وآل عمران والنساء والأحزاب وغيرها.
كانوا يعملون مع مشركي العرب ومع اليهود على حرب الإسلام ويؤلبون الجموع ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينخرون في بنية المجتمع الإسلامي، وشاركوا في الحروب مشاركة غير مباشرة بالتأليب تارة، والتخذيل تارة، والانسحاب من المعركة تارة.
وكان الله مطلعاً على قلوبهم وأعمالهم، فكان القرآن ينزل كل مرة بفضحهم وإظهار أخبارهم، ولم يكونوا عدداً قليلاً بل كانوا بالمئات.
وعن الأعراب المنافقين يقول سبحانه: (ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ويتربص بكم الدوائر).
والمنافقون أهل مراس في تقويض المشاريع الإسلامية وتصديع صروح الحق، ويفضح القرآن أفعالهم وما سيفعلون لو أنهم خرجوا في تبوك مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن كان خرج بعضهم (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين* لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون).
ووردت آيات في التربص بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأصحابه السوء، ووردت آيات في مسجد الضرار الذي بنوه للتفريق بين المسلمين، وكثير كثير من أفعالهم.
ومما يجب الحذر منه ما تفعله التنظيمات السرية الإسلامية من جعل المساجد موضعاً للتنافس على الشعوب وأبناء المسلمين إلى الحد الذي كثرت فيه مساجد الضرار، لأن كل تنظيم يريد أن يكون له مسجد يقسم الناس ليكون له منهم نصيب وللإضرار بالتنظيم الآخر.
ولست أتهمهم بالنفاق ولكن هذه الظاهرة هي من صنع المنافقين واختراعهم، لأن المساجد لله وهي شعار إسلامي عام لا يجوز تخصيصه لفئة دون أخرى عدا قضية تخصيص المساجد حسب المذاهب فهذه قضية أخرى لأنها تتعلق بالحرية الدينية.
ومن أهل الشر الذين ذكرهم القرآن ووصفهم بالحركة في السر اليهود، وهم أساتذة المنافقين ومعلموهم وشياطينهم كما يصفهم القرآن، وتاريخهم حافل بالمخاتلات والمكر والخداع والتلاعب بالناس والكتب والأديان مع الأنبياء والشعوب، وكانوا مع رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أشد عداءً وكيداً بالقول والفعل وسائر أنواع التربص وأشكاله.
ومجرد استعراض للآيات يبدو لك بارزاً ما بلغه مكرهم الذي تزول منه الجبال. قال سبحانه: (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون).
وقال عز وجل: (وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون* وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون).
وقال سبحانه :(كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين).
ويقول تبارك وتعالى: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون* وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون).
إن اليهود أمة لا تقف عند حدّ في خيانتها ومكرها، والكلام عنهم مرتبط كل الارتباط بالعمل في الظلام والسر، ولم يكونوا يوماً أهل شرف ووضوح وصدق، ولولا الإطالة لكان الحديث عنهم مستفيضا في القرآن والتاريخ، لا سيما وأنهم أصحاب المواقف المشهورة في حرب الإسلام ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم وأنبيائهم، وبرغم ما أصابهم من ذل وعذاب وتشريد بسبب هذه التصرفات إلا أنهم لا يزالون إلى الآن يمتلكون أخطر التنظيمات السرية في العالم.
إننا أمام علاقة وطيدة بين الشر والعمل في السر، فإما أن يكون الشر غالباً ملجئاً الخير إلى الاحتماء والتخفي، وإما أن يكون مندساً ليصل إلى التغليب أو هدم الخير.
ولكننا ننظر إلى قصة السرية في حركة الخير في القرآن فنجدها بسبب الحفاظ على النفس والدعوة والاحتماء وليس بناء الكيان في هذا الجو.
وقصص التخفي لأهل الخير في القرآن واضحة، كانت حركة إدلاج وسرى.
من أبرزها قصة أصحاب الكهف الذين هربوا من بطش الكفر والطغيان والفتنة في الدين.
وقصة الرجل الذي كان يكتم إيمانه من آل فرعون وكذلك زوجة فرعون وماشطة ابنته.
وهناك أم موسى عليه السلام عندما أخفت حملها وولادتها وألقت ابنها في اليم خوفاً عليه من القتل.
وقصة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة والغار ومعه صاحبه أبوبكر رضي الله عنه، وكثير من تفصيلات الهجرة هروباً من المشركين.
ونعلم كيف هرب لوط عليه السلام بأهله وأتباعه سراً بليل، هرباً من العذاب الإلهي الذي كان سببه عصيان قومه وكفرهم وصدودهم وهرب موسى ببني إسرائيل فراراً من فرعون وبطشه.
إن دين الحق لا يتحرك في الخفاء، وهو دين أساسه الإعلان والوضوح والبلاغ، لأن هذه كلها مميزات العمل الصحيح والنهج الصادق والثقة والإنقاذ.