للفساد بمعناه العام أوجه وتجليات عديدة، فهو يظهر تارة في محيط قوانين هزيلة تسمح له بالتسلل والنفوذ وإضاعة المقدرات والأموال، ويظهر تارة من خلال انتهازية مسؤول لم يردعه دينه ولا مروءته من استغلال سلطته وموقعه فجعلها سلما للتجاوز وأكل الحرام وظلم العباد. ولكن أخطر صوره على الإطلاق حين يتحول إلى ممارسة مجتمعية مقبولة بل وممدوحة يمارسها كثيرون دون نكير أو ذم أو ازدراء من محيطه، بل وتصبح هذه الفئة من الناس في ظل هذه الثقافة مثالا مقدما في الرجولة والشجاعة حتى غدا معها وصف الرجل المتصف بذلك بأنه ذئب أمرا شائعا فيقال (فلان ذئب) كناية عن شجاعة في اقتناص الفرائس وانتزاعها انتزاعا من دون المنافسين بغض النظر طبعا عن كونها مما يحل له أكلها أولا يحل، وحين تبحث بطبيعة الحال في تأريخ وسجل شرف هذا الذئب عفوا الرجل فلن تجد سوى السرقات والاعتداء على الأملاك العامة والخاصة بالقوة أو بالحيلة، وأحيانا بالتزلف وإراقة ماء الوجه والتذلل المحرم، وستجد في قائمة صفاته ضعف ديانة وصلافة وجه، وقلة مروءة مع حب طاغ للمال أو الجاه والمكانة، وقل أن تجد فاسدا إلا وتجده كاذبا، وكم رأينا منهم من يحلف زورا وبهتانا ليستولي على حقوق الناس.
وهذه الثقافة المجتمعية المتزايدة هي من أخطر مراحل انتشار الفساد واستعصائه على المعالجة، ومن أهم أسبابها في ظني ضعف استشعار الرقابة الإلهية والحساب الأخروي في قلب الفاسد، وهو السبب الأصيل الذي ينبغي أن ينظر إليه أولا عند التحليل والمعالجة، ومنها انسداد كثير من الطرق الحقيقية العادلة لتحصيل المال أمام كثير من الناس فلجؤوا إلى الطرق المحرمة، ومنها بقاء بعض الأنظمة واللوائح دون مراجعة وتصحيح زمنا طويلا مع ما فيها من الثغرات، ومنها غياب تطبيق بعض المبادئ الفاضحة للفساد كمبدأ من أين لك هذا، وإقرارات الذمة المالية للمسؤولين، ومن أسبابها كذلك غياب الرقابة المجتمعية الفاعلة ضد الفساد والتي يمكن أن توجد من خلال مؤسسات المجتمع المدني التي تنشأ لخدمة هذا المجال.
أيها السادة شيوع الفساد نذير شؤم لا يبقى معه وحدة ولا أمن ولا استقرار، وهو مقدمة للطبقية والعنصرية والأحقاد والضغائن، ولا يسأل أحد بعده عن مستقبل زاهر ولا تنمية مجتمعية ولا وحدة وطنية حقيقية، حتى لو بقيت القشرة الخارجية كما هي.
حين يكون الرجل ذئبا
جميل اللويحق2 دقائق للقراءة

حجم الخط
