برنامج سبريتز« Spritz » لا يسعى لإصلاح عيوب القراءة السريعة فقط، بل السمو بالقراءة كليا، وإذا كنت شخصا تقرأ فلا بد أنك قد قرأت عن هذا البرنامج الذي يأمل في «إعادة تصور القراءة»، فإعادة التصور تحتم فعالية الإنتاج.
يعمل سبريتز على تسريع القراءة عبر إضاءة كلمات فردية في مواقع محددة على شاشة العرض الرقمية، ويمكن للقراء تعديل سرعة العرض لتصل إلى 600 كلمة في الدقيقة، وذلك أسرع بثلاثة أضعاف من سرعة تفحص القارئ المتوسط للنصوص التقليدية.
هذه الطريقة ليست جديدة، ولكن برنامج سبريتز أضاف نقطة تعرف مثلى «ORP» إلى تقنية العرض هذه، حيث تساعد القراء على التعرف على كل كلمة بفعالية كبيرة عبر تركيز الانتباه نحو الحرف الملون بالأحمر، وكان الرد العام على هذه التقنية هائلا، وفقا لـ سبريتز، حيث قام أكثر من عشرة آلاف مطور بالتوقيع مسبقا لتطوير منتجات Spritzified.
لكن هل يعمل سبريتز بشكل جيد؟ يعتمد الأمر على ما الذي تقصده بكلمة يعمل، وكما كتبت أولجا كازان في آتلانتيك «لطالما تم اتهام القراءة السريعة بالتضحية بالفهم مقابل الموائمة، وقام خبير علم النفس المعرفي في جامعة ساوث كارولينا، جون هندرسون بتوضيح المزيد عن أن نقطة التعرف المثلى «ORP» لا تحسن الأمور.
ثم هل يمكنك حقا قراءة رواية في 90 دقيقة مع الفهم التام؟ حسنا، مثل جميع الأمور التي تبدو لا تصدق لتكون حقيقة، فالإجابة هي لسوء الحظ لا، فقد أظهر بحث مقنع في السبعينات أنه على الرغم من استطاعة الأشخاص القراءة بمعدلات طبيعية باستخدام RSVP إلا أن فهم وتذكر النصوص ينخفض مع ازدياد سرعة RSVP.
وتزداد المشكلات في الفقرات مقارنة بالجمل المفردة.
إحدى هذه المشكلات هي عدم توفر الوقت لجمع المعاني معا، وتخزينها في الذاكرة وهو ما يدعوه علماء النفس بالاستصحاف، وكان الهدف من تدخلات كازان وهندرسون هو تقديم الشك حول ما يوفره سبريتز، كبديل فعال عن الطرق التقليدية لاكتساب المعرفة عبر اللغات المكتوبة، وكما يبدو فإن سبريتز يعد أحدث هيئة في التحايل البصري الذي يعود إلى عقود من الزمن.
ولكن ماذا إذا لم يكن الهدف من سبريتز تحسين قدرة القراءة السريعة على إنتاج الفهم، بل إلى تخفيض مستواه؟توقف اليوم إنتاج أو نشر مواد القراءة لهدف الفهم وهو ما ندعوه المحتوى، بل يهدف وجود هذه المواد أولا وبشكل رئيس لمجرد الوجود.
لا تشير هذه الظروف بالضرورة إلى انحلال القراءة وزيادة فائض المحتوى الذي يتوقع منا قراءته، ولكنها مهمة مستعصية لا يمكننا بعد الآن أن نأمل في قراءة كل بريدنا الالكتروني، وتحديثات أصدقائنا على الفيس بوك أو تغريداتهم على تويتر وتدويناتهم، بالإضافة إلى مئات المقالات اليومية وأشباهها.
قد تعرض القراءات الطويلة لنا قصصا يفضل الاستمتاع بها بعيدا عن المكتب، ولكن ما فائدة لحظات كهذه عندما تكون قائمة القراءة الخاصة بك ممتلئة؟ مثل الكتب التي تشتريها لتضعها على الرف، أو المقالات التي تصنفها لتقرأها في وقت قد لا يأتي أبدا.
مع وجود كل هذا المحتوى الذي قد يكون استهلاكه بوسائل الفهم أمرا مستحيلا، فكر في الأمر كأنه ضغط للبيانات ولكن للانتباه، يقدم سبريتز تجربة القراءة من دون تفاهة التأثيرات العقلية المرافقة لها، للأشخاص الذين يستخدمون طريقة سبريتز لا يعد الفهم فضيلة مفقودة بقدر ما هو عبء على أكتافهم، للمستهلكين الذين يغمر المحتوى حياتهم ماذا يمكن أن يكون أفضل من تجربة إحساس القراءة من دون عقبة الفهم؟.
إذا كانت القراءات العادية تقرأ لمجرد الفهم، والتأمل فيها ومناقشتها، والتفكر حولها بدلا من إنهائها أو جمعها، إذا ربما من الأفضل عدّ سبريتز كطريقة للقراءة لمجرد الانتهاء من القراءة، فتكون فكرة سبريتز مثلا أعلى للقراءة السريعة، حيث يكون الهدف من القراءة هو مجرد إكمالها.
القراءة بطريقة سبريتز هي قراءة للتخلص من القراءة، وليس مصادفة أن يكون معنى سبريتز باللغة الألمانية «الحقن»، فقد أصبحت عملية القراءة مثل العملية الطبية عقبة ضرورية بقدر عدم الرغبة بها.
كل ما يتبادر إلى فكرنا وجود بريد الكتروني، أو تدوينة أخرى، أو مقالة، نريد أن نقرأها، نقرأها بحق ونندمج معها، ولكن الثقل المتراكم من هكذا محتوى، يتم تخزينه مباشرة في أرواحنا، ذلك أكثر مما يمكننا تحمله.
من السهل أن تلوم الانترنت لتراجع القراءة، لكن القراءة لم تتراجع، أو هذا ما أخبرونا به، نحن نقرأ أكثر من ذي قبل، ألسنا كذلك؟، نحن نقرأ الآن ما معدله 54 ألف كلمة في اليوم بحسب بعض التقديرات ما يقارب معدل قراءة رواية، غير أننا لا نقرأ حقا 54 ألف كلمة في اليوم «مستخدم الشبكات الاجتماعية المتوسط يستقبل 285 قطعة محتوى يوميا، تشمل 54 ألف كلمة، لا يتضمن هذا المحتوى قراءات طويلة فحسب، بل العديد من الأشياء أيضا في مواجهة كثير من المحتوى.
إن أمل هندرسون في «الفهم التام» ليس مستغربا بقدر ما هو غير محتمل، ليس الهدف تحقيق الفهم بل استئصاله، ويعد التلقي بحد ذاته قراءة بالشكل المجرد، إنها القراءة لمجرد الانتهاء من القراءة.
لقد كنا نستخدم طريقة سبريتز حتى من قبل أن نعرف ما الخيار الذي كان لدينا، لا أحد يمكنه قراءة رواية في يوم واحد، حتى إن كانت الشيء الوحيد الذي يقوم به، لم يتدخل سبريتز لتخريب الفهم، بل لإضفاء لمحة رسمية وتوفير العذر لاستئصاله.
لقد ماتت القراءة بالفعل، وسبريتز مجرد الحانوتي الذي يحقن جثتها بالسوائل العطرة حتى تبدو جميلة في جنازتها.

(المصدر: The Atlantic)