عندما دعاني أخي الحبيب الإعلامي المبدع وعالم اللغة المستنير الدكتور عثمان الصيني رئيس تحرير صحيفة مكة -شرفها الله وحماها- إلى المشاركة بمقال أسبوعي في الصحيفة استعظمت المسؤولية وتذكرت قول خير الأولين والآخرين عليه أفضل الصلاة والسلام: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت يكتب الله بها سخطه إلى يوم القيامة» (رواه البخاري)، وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب»، كما تذكرت قول الزاهد الكبير محمد بن عبدالجبار النفري: «الحرف خزانة الله، فمن دخلها فقد حمل أمانته»، وما أعظمها من أمانة لمن أدرك معنى الأمانة، وما أجلها من رسالة لمن وفقه الله لمعرفة معنى الحرف وخطورة الكلمة وما أودعه الله فيهما من أسرار.
إن من لطائف اللغة العربية أن من معاني الحرف «الحدُّ القاطع»، وأن الكلمة مشتقة من الكلم أي الجرح، قال الجوهري: «حرف كل شيء طرفه وشفيره وحده، ومنه حرف الجبل وهو أعلاه المحدد»، وجاء في القاموس المحيط : «الكَلامُ: القولُ، أو ما كان مُكْتَفياً بنَفْسِه... والكَلْمُ الجَرْحُ، والجمع كُلومٌ وكِلامٌ. وكَلَمَهُ يَكْلِمُهُ وكَلَّمَهُ: جَرَحَهُ، فهو مَكْلومٌ وَكَليمٌ».
والقول الحق كالسيف في النزال وكمبضع الجرّاح في المعالجة، وأثره ونتاجه التنوير والوعي وإشاعة الخير، أما القول الباطل فهو نقيض ذلك، وقد جاء في التنزيل المطهر: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ».
إن صحيفة تصدر من مهبط الوحي وتحمل اسم خير المدائن حريّة بأن تكون كل كلمة فيها شجرة طيبة تؤتي أكلها كل حين، وأن تكون في مجمل ما تنشره منارة إشعاعٍ للفكر القويم والخبر الصحيح والتحليل الراشد الرزين، وهذا ما نتوقعه ونرجوه بتوفيق الله وتسديده.
إن من أعظم ما ابتليت به أمة الإسلام في سنيّها المتأخرة انتهاكَ حرمة الكلمة وانثلامَ قيمة الحرف، وشيوعَ صحافة الدجل والتطبيل، وتفشي إعلام الإثارة، وإن المأمول أن تسهم صحيفة مكة في تصحيح هذه الانحرافات من خلال ضرب المثل الأعلى للصحافة الملتزمة النزيهة وتقديم الأنموذج الأمثل للإعلام المبدع الأصيل، ولن يتحقق ذلك إلا بإدراك مكانة مكة بين كل المدائن، واستشعار منزلة القبلة عند المسلمين، ومعرفة موقع الكعبة المشرفة في قلوب المؤمنين.
إن أملي أن أرى صحيفة مكة خلال وقت قصير القدوة والمثل الأعلى في مبادئها ومهنيتها، وأولى صحف الأمة في دقة ما تقدمه من أخبار ومعلومات، والسباقة في تألق ما تنشره من أطروحات وتحليلات، والرائدة فيما تتيحه من مساحات حرية التعبير، بل وباختصار شديد إن أملي أن تكون صحيفة مكة الأنموذج الأكمل لإعلام أمة الوسطية والشهادة على الناس أجمعين فهي جديرة بكل ذلك بل وأكثر منه.

