لا أدري بالضبط لماذا؟ لو كان نص ألف ليلة وليلة أو الليالي إنسانا ارتكب إثما خطيرا في حق شعبه وأمته، لما تعرّض لما تعرض له النص من منع ومصادرة وحرق. لو كان إنسانا لسجن سنين في الظلمة، وربما لكُسر الحكم تحت إلحاح المتطرفين ولحكم عليه بالمؤبد قبل أن يتحول إلى حكم بالإعدام شنقا أو حرقا لتصفيته من الشوائب كما كانت تفعل محاكم التفتيش في القرون الوسطى. لكن ما تعرض له نص الليالي فاق ذلك كله. فقد منع في البداية من التداول، ثم كلما فقد المجتمع العربي تحديدا تسامحه بسبب التجفيف الديني والثقافي، تمت المطالبة بحرقه، منذ القرن العاشر إلى اليوم، وحُوِّل إلى رماد. المشكلة هي أن هذا النص، كلما أُحْرِق، خرج من رماده كطائر الفينيكس. فاستمر في الحياة. نُصاب بحالة الذهول عندما نعرف الجهد الذي بذله والوقت الذي صرفه أنطوان جالان في جمع مادة الليالي وإعادة ترتيبها وترجمتها إلى اللغة الفرنسية في ١٧٠٤. منذ ذلك الوقت ترجمت الليالي العشرات من المرات عبر العالم، ومنها الترجمة الجديدة إلى الفرنسية لجمال الدين بن الشيخ وصديقه أندري ميكيل التي دخلت السلسلة الفرنسية الراقية لابلياد (الثرية) التي تجمع أجمل النصوص التي دخلت في الميراث الإنساني. أكثر من ذلك كله فقد اعتبر كبار الروائيين العالميين أنها شكلت أرضية خفية لكتاباتهم، صاحب في البحث عن الزمن الضائع، مارسيل بروست، والروائي الحاصل على نوبل، جابرييل جارسيا ماركيز الذي يعتبرها كتابه المرجعي، والكاتب العظيم خورخي لويس بورخس الذي يرى فيها الكتاب الرائع الذي ترك فيه أثراً كبيراً. أكثر من ذلك كله، فقد حولها الموسيقي الروسي الكبير ريمسكي كورساكوف في القرن التاسع عشر، إلى سيمفونية خالدة حملت اسم شهرزاد. فلماذا يحبها الآخرون ونكرهها نحن، وهي من صميم شرقنا الجميل؟
يحبونها.. ونكرهها؟
واسيني الأعرج2 دقائق للقراءة

حجم الخط
