لما رأيت كمن رأى من سالف أن السعادة والفلاح وتحقيق الآمال لا يأتي كل ذلك بالحديث والكتابة عن المال والأعمال لأنه لا خير في مال يتم تداوله في مجتمع لا يكون حسن الخلق رأس ماله، ولا بركة في حركةٍ تطحن رحاها كرامة الناس ولا تصون غيبتهم أو تحفظ هيبتهم، ويا ويل قومٍ سادت الغيبة بينهم، واستشرت النميمة في أوصالهم، وتفشى البهتان في مجالسهم، وصارت شهادة الزور معولاً يهدم الحقوق ويوسع الشقوق.
وبحثا عن مجتمع أمين سليم معافى من هذه الأدواء والأنواء، رأيت من واجبي كمسلم أولاً ومواطن في هذا البلد الأمين الذي نزل فيه الأمين على الأمين بالنور والذكر المبين، أن أشرع في كتابة سلسلة مقالات، مستوحيا حديثي وكلماتي من الدستور السماوي الخالد، ومن السنة النبوية المطهرة.
فالله خالق الخلق هو الخبير الحكيم وهو السميع العليم المطلع على طبائع النفوس، والعالم بالسر والمكنون، فهو سبحانه القادر وحده على بيان الداء ووصف الدواء. ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى لم يترك داءً إلا وشخصه ولا علاجا إلا ووصفه، ومن غيره يريد لأمةٍ هو شفيعها وبشيرها ونذيرها الخير والصلاح يوم يباهي بها الأمم؟
وإن كنت قد ذكرت في مقدمتي هذه أربعة أدواء وهي:
-1 الغيبة
-2 النميمة
-3 البهتان
-4 شهادة الزور
فسأبدأ بالأول:
أشير وأنا أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم إلى قوله الله العزيز الحليم “ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه”. فلنبدأ بتعريف هذه الآفة لغةً وشرعا. وليس في التعريفين خلاف أو اختلاف.
ففي اللغة: قال ابن الأعرابي: غاب إذا اغتاب، وغالبا ذكر الإنسان بخير أو بشر. والغيبة فِعلة منه تكون حسنة أو قبيحة.
وفي المصطلح الشرعي معنى، الغيبة: ذكر المؤمن حال غيابه بما فيه ومما يكره من الأوصاف الموجودة في خِلقته أو خُلقه، أو ذكر ما يتعلق به من القوم والعشيرة واللون واللباس والمهنة.. مما
يعدُّ تنقيصا له ولشأنه ومكانته. وتتحقق الغيبة بذكره بالكلام والكتابة والإشارة، وغيرها، كنشر صوته أو صورته أو وثائقه الخاصة به.
وروي عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضى لله عنها أنها قالت: دخلت علينا امرأة، فلما ولت (أي خرجت) أومأت بيدي (أي أشرت) أنها قصيرة. فقال صلى الله عليه وسلم: اغْتَبْتِها.
يا الله! لقد أشارت فقط أنها قصيرة ولم تزد رضي الله عنها عن ذلك، ومع ذلك عاتبها زوجها وحبيبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها اغتابتها. وما أكثر الإشارات اليوم، بل ما أحلك ما يرادف ذلك من عبارات وربما حكايات وروايات تفوق الحدود.
لقد غدونا للأسف في زمن لا تسلم فيه الطويلة ولا القصيرة، ولا الغنية أو الفقيرة، ولم تعد في مأمن الصغيرة أو الكبيرة، بعدما أسهمت مواقع التواصل الاجتماعي في جعل لسان النميمة أكثر طولاً، ولهجتها أشد تنكيلاً، ومع اعترافي بمنافع الإعلام الحديث ونفاذ وسائطه، فإن إثمها في مثل هذه الأمور يفوق نفعها بعد أن خرجت عن السيطرة، وصارت الأذية تمارس دون رقيب أو حسيب.
والغيبة ذنب ومعصية كبيرة حرمها الله عز وجل، وقال عنها صلى الله عليه وسلم في وصيته لأبي ذر: “يا أبا ذر إياك والغيبة، فإن الغيبة أشد من الزنا”. قلت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: “لأن الرجل يزني فيتوب إلى الله، فيتوب الله عليه، والغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها”. يا أبا ذر: “سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه من معاصي الله، وحرمة ماله كحرمة دمه”. قلت يا رسول الله وما الغيبة؟ قال: ذِكرك أخاك بما يكره.
قلت: يا رسول الله فإن كان فيه الذي يذكر به؟ قال: اعلم بأنك إذا ذكرته بما فيه فقد اغتبته، وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهِته.
وللغيبةِ أسباب وأنواع متعددة منها: الاتهام، وسوء الظن، والحسد، والسخرية، والضيق، والتبرم... إلخ، ولكن للغيبةِ المحرمةِ هذه مستثنيات أبرزها:
* الغِيبة للتظلم والترافع إلى المحاكم بغرض بيان الواقع.
يقول الله تعالى: “لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلِم وكان الله سميعا عليما”.
* يجوز ذِكر المؤمنِ بما ينطبق عليه عنوان الغيبة عند الاستشارة عن أحوال شخص ترغب في تزويجه بنتا أو أختا أو توشك أن تكون له شريكا في تجارة، أو تريد استخدامه في عمل لك، ذلك أن خير من استأجرت القوي الأمين، كما قالت ابنة شعيب لأبيها مزكية نبي الله موسى عليه السلام.
وهكذا، وحينما تثقل الأرزاء كواهلنا فما لنا غير كتاب الله وهدي الحبيب صلى الله عليه وسلم، فهما العلاج، وهما النجاة، وبهما تطيب الحياة.. وذلك خير من أن:
نعـيب زمــاننا والعــيب فيـــنا ** وما لزمــاننا عيب ســـوانا
ونهجو ذا الزمـــان بغــير ذنبٍ ** ولو نطق الزمـان لنا هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئبٍ ** ويأكـل بعضــنا بعــضا عيانا
الغيبة
صالح عبدالله كامل4 دقائق للقراءة

حجم الخط
