المعارك أو السجالات الأدبية قديمة قدم الأدب نفسه، فالاختلاف في التوجهات والأفكار والآراء ليس بالأمر الجديد، وهو في مجمله إضافة للأدب إن ابتعد عن الهجوم الشخصي، والإساءة للأديب نفسه بغض النظر عن أدبه.
منذ بداية العصر الحديث، والساحة الأدبية لا تخلو من هذا النوع من المعارك، وقد ألفت في هذا الشأن مؤلفات حاولت رصد أهم الخلافات الأدبية في مراحل معينة، منها كتاب «المعارك الأدبية في مصر» لمؤلفه أنور الجندي؛ الذي رصد فيه مجموعة من السجالات الأدبية كالتي كانت بين زكي مبارك وخصومه، وبين العقاد وخصومه، وبين المازني وخصومه، وبين هيكل وطه حسين، وغيرها من المعارك.
كذلك كتاب «معارك أدبية» للدكتور محمد مندور، الذي تحدث في جزء منه عن ردود العقاد عليه في عدد من مقالاته، حول ما يسمى بـ»الشعر الجديد» الذي يسميه «الشعر السايب»، ويأسف لأن العقاد، كما يقول، لا يتقبل النقد بصدر رحب، كما تطرق في حديثه إلى عدد من القضايا التي كانت مثار خلاف بين الأدباء والنقاد في تلك الحقبة، ورأيه الشخصي فيها.
مثل هذا، كان حال الأدب في السعودية، إذ لم يخل من الخلافات داخل نطاق الأدب وقضاياه، ولعل أبرز هذه السجالات المناظرة الشعرية الكبرى التي دارت بين الشاعرين محمد حسن عواد وحمزة شحاته، وقد اتخذ كل منهما اسما مستعارا في هذا الصراع، كتب حمزة شحاته تحت اسم «هول الليل»، ومحمد عواد تحت اسم «أبولون»، وقد كانت صحيفة صوت الحجاز ميدانا لهذا الصراع الشعري، الذي كان في بدايته إضافة للأدب السعودي، لكنه لم يلبث أن تحول إلى عداء شخصي، وهجوم مباشر لم تنشره الصحيفة.
ومن المؤلفات التي رصدت بعض الخلافات أيضا كتاب «دراسات إعلامية في الفلسفة والأدب» للدكتور سليمان الشمري، وقد تحدث فيه عن عدد من المعارك الأخرى، كالتي كانت بين محمد حسن عواد وعبدالقدوس الأنصاري، حول قصة الأخير «مرهم التناسي»، كذلك مقالة نقدية للأديب عزيز ضياء وصف فيها كتاب «الأدب الغني» لمحمد حسن كتبي بأنه «كتاب إنشاء مدرسي لا أكثر ولا أقل».
ومنها أيضا كتاب «حكاية الحداثة في المملكة العربية السعودية» للدكتور عبدالله الغذامي، الذي رصد فيه أهم الإشكالات والخلافات التي حدثت مع ظهور الحداثة في المملكة وآراء المعارضين والمتفقين معها، تحدث مثلا عن كتاب «الحداثة في ميزان الإسلام» لعوض القرني الذي استخدم له محمد العلي عبارة: «المؤلفون عوض القرني»، في إشارة إلى اشتراك أكثر من شخص فيه، وقد وصفه الغذامي بأنه «كتاب اعتمد على الإشاعات والأقاويل وكلام الصحف، دون الرجوع إلى أي من الكتب والبحوث»، كذلك كان رأي سعد البازعي الذي نشره في مقال في صحيفة الرياض وصف منهجية الغذامي النقدية حينها بـ»الخيانة الوطنية».
كما تطرق للحديث عن كتاب «جناية الشعر الحر» لمؤلفه أحمد فرح عقيلان، وعن خصومة طويلة دامت بينهما لسنين كما يقول، وعن خصومته مع علي العمير الذي وصفه بـ»الخصم النبيل»، وغير ذلك من الخلافات.
وبالطبع لا يمكن إغفال دور الصحف، والمجلات في نقل مثل هذه الخلافات والمعارك الأدبية.
السجالات الأدبية تاريخ لا يموت
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
