ليس هناك شك أن التوجه نحو مقاطعة إسرائيل على الصعيد العالمي احتجاجا احتلالها المستمر منذ 47 عاما للضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة يزداد قوة. آخر هيئة تدعم هذا التوجه هو جمعية (ريبا) البريطانية التي تعتبر أكبر جمعية في هندسة العمارة، والتي دعت في الشهر الماضي الاتحاد الدولي للمهندسين المعماريين إلى تجميد عضوية إسرائيل بسبب التواطؤ في “بناء مستعمرات غير شرعية وانتهاكات أخرى لقانون الدولي”. حركة المقاطعة لقيت دفعة قوية في أوائل هذا العام بسبب الضجة الإعلامية التي رافقت موافقة الممثلة سكارليت جونسون على الظهور في دعاية لشركة (سودا ستريم). كم عدد الأشخاص الذين كانوا يعرفون قبل ذلك أن المقر الرئيس لشركة (سودا ستريم) هو في إسرائيل وأن مصنعها الرئيسي موجود في إحدى مستعمرات الضفة الغربية؟
وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قدم خدمة مماثلة عندما حذر القادة الإسرائيليين من نتائج فشل محادثات السلام الحالية. الوزير كيري قال إن “المخاطر مرتفعة جدا بالنسبة لإسرائيل. الناس يتحدثون عن مقاطعة. ذلك سوف يزداد في حالة الفشل”.
كيري على حق: الناس الذين يتحدثون الآن عن مقاطعة إسرائيل أكثر من السابق بكثير. القضية تكسب جاذبية حتى بين الهيئات الأكاديمية الأمريكية، التي كان يعتقد في السابق أنها منيعة بسبب ما كان يقال دائما عن “الرباط الذي لا ينقطع” بين البلدين.
إسرائيل غاضبة بسبب الدعوات إلى المقاطعة، وهي قلقة من الزخم الذي اكتسبته هذه الحركة. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شن مؤخرا هجوما قاسيا على أوروبا وعلى تاريخها المظلم. نتيناهو قال: “أعتقد أن الشيء الأكثر غرابة، الشيء المخزي، هو أن يتحدث الناس على الأراضي الأورية عن مقاطعة اليهود. في الماضي قاطع أعداء السامية الأعمال التجارية اليهودية واليوم يدعون إلى مقاطعة الدولة اليهودية... يجب كشف حقيقة الذين يقاطعون. إنهم أعداء تقليديون للسامية في رداء جديد”.
هذه اتهام خطير، وهو قد يسبب عدم ارتياح عميق لدى الكثيرين من الذين يريدون أن يمارسوا الضغط على الحكومة الإسرائيلية بسبب سياساتها تجاه الفلسطينيين، والذين في نفس الوقت يعارضون تماما معاداة السامية أو رفض حق اليهود في وطن قومي لهم. لكن الاتهام المتكرر بمعاداة السامية
لا يجعله صادقا، مهما تكرر توجيهه من قبل أولئك الذين يدافعون عن إسرائيل بدون قيد أو شرط.
لكن هذا لا يعني أن هناك وحدة ضمن حركة المقاطعة. الكثيرون يفرقون بين مقاطعة المستوطنات –رفض أي بضاعة يكون مصدرها المستعمرات اليهودية في الضفة الغربية؛ قطع العلاقات مع المؤسسات التي يكون مقرها في المستوطنات؛ أو مطالبة الشركات الدولية بعدم الاستثمار في المشاريع التي لها ارتباط يتعدى “الخط الأخضر” –ومقاطعة إسرائيل نفسها.
الرئيس الفلسطيني محمود عباس جعل أوضح موقفه بشكل جيد حين قال في شهر ديسمبر الماضي “نحن لا نؤيد مقاطعة إسرائيل. لكننا نطالب الجميع بمقاطعة منتجات المستوطنات”.
الذين ينتقدون السياسات الإسرائيلية الذين يعارضون مقاطعة إسرائيل نفسها يقولون إن المواطنين العاديين يجب أن لا يدفعوا ثمن ما تفعله الحكومة؛ وإن الحوار مع الهيئات الأكاديمية والتجارية والثقافية أكثر فائدة من مقاطعتها؛ وإن التاريخ المشين لمقاطعة اليهود يجعل هذا الخيار مستحيلا. لكن الآخرين -الذين أصيبوا بإحباط متزايد بسبب تصلب إسرائيل، ورفضها لآفاق عملية السلام، وفشل المجتمع الدولي في دعم خطابه بأعمال ذات معنى- يقولون إن المواطنين الإسرائيليين والمؤسسات الإسرائيلية يجب أن يشعروا بنتائج سياسات حكومتهم حتى يضغطوا عليها ويحققوا التغيير من الداخل.
الكثير من الإسرائيليين بعيدون عن قضايا الاحتلال. بالنسبة لأولئك الذين يستمتعون بالنزهات على شواطئ تل أبيب أو يعملون في مركز التقنيات المتطورة في حيفا، تعتبر غزة في كوكب آخر. المعاناة اليومية التي يمر بها 4 ملايين فلسطيني يعيشون في ظل الاحتلال العسكري الإسرائيلي على بعد عشرات الأميال فقط لا يفهمها هؤلاء. المقاطعة، سواء من خلال قطع الروابط الأكاديمية؛ رفض الفرق الفنية بإقامة حفلات في إسرائيل؛ رفض الشركات الدولية للاستثمار في لأسباب تتعلق بالسمعة؛ أو رفض المستهلكين لشراء المنتجات الإسرائيلية في مركز تسوق –له قدرة على إيقاظ الإسرائيليين من سباتهم.
بالطبع هناك مخاطر من أن يؤدي هذا إلى مزيد من التصلب في المواقف الإسرائيلية. لكن إسرائيل تدعي بشكل متكرر أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. لذلك إذا طالب مواطنها بإنهاء السياسات التي جلبت عليهم الضغوط الاقتصادية والعزلة والخزي العالمي، فإن حكومتهم ستضطر لأخذ ذلك بعين الاعتبار بالتأكيد.
* الجارديان