وقف الشاب عبدالله العثمان على علبة صغيرة لمشروب غازي، محتفظا بدرجة من الثبات فيما كانت عيناه في حالة من التركيز الذي يشبه تأمل الإنسان لحياته في أثناء انشغاله بمحاولة إبقاء نفسه متوازنا فيها فحسب، لا يفقد العثمان حالة تركيزه، تبدأ العلبة في الاختلال تحت قدميه فيقرر القفز، في وهلة بكثير من الإيحاءات التي قد يكون أحدها «هذا موضع قدمي على الأرض، هذا حد رأسي على السماء» أو ربما يكون «يمكنك التحليق في الوقت بينما يتوقع الآخرون أنك توشك على السقوط».
المشهد السابق كان جزءا من مقطع الفيديو الذي يقدمه العثمان في معرضه الفردي «أسئلة/ مزيد من الأسئلة» وهو ليس سوى جزء من الرؤية الفنية والفلسفية التي يوظفها الفنان في المعرض مستخدما أعمالا فنية وصورا مأخوذة لأفكار قام بتنفيذها على الشارع، بالإضافة إلى شاشة ترصد التفاصيل الشعورية والتعبيرية الدقيقة لـ28 وجها شاركت بالإجابات اللحظية ضمن تجربته التأملية «سؤال»، والتي علق عليها فيما بعد «التجربة: لم تأت بالإجابة التي أبحث عنها، ولكنها عادت علي بمزيد من الأسئلة» ومن هنا جاءت تسمية المعرض.
وإذا كانت «مساحة الآن الفنية» قد أتت بهذه التجربة للمرة الأولى في الرياض، فقد انطوى هذا على تقديم تصور مغاير لما يتوقعه زوار معرض فني، حيثلا يمتثل التصنيف لمدرسة معينة بقدر ما يخلق حالة مفتوحة لتشكيل الفهم الخاص من كل تلك المعطيات الحسية والفكرية ومختلف التواردات المحتملة فيما بينها.
حالة الحيرة التي يخلقها الفن، والتي تبعث على الشعور الطاغي بأن ليس ثمة نموذج نهائي لأي فكرة، مقترحات إضافية يخبرنا بها عبدالله في الحيز المكاني –النوعي- الذي تم تخصيصه لتجربته هذه، وهو الشاب العشريني الذي يلغي الفارق المصطنع بين الفن والواقع، فيقيم معرضا دائما في مشهد الحياة المجرد، فيكتب جملته «هنا بشر بحاجة إلى الحياة» على الجدران والأرصفة بل وحتى على الدمى المستخدمة في مواقع الصيانة ومشاريع البناء، وهو نفسه الذي يجعل «السطحة» تجوب طرقات الرياض بحثا عن سيارة تسببت في تعطيل قلب فتاة، وبينما يطلب منه الصحفيون تعريفا بنفسه كان يكتفي بالقول «التفتوا حولكم لتروني، لا يمكن أن أقول عن ذاتي شيئا أكثر مما تقوله هذه الأعمال عني».
ومنطلقا من إنتاج مفهوم جديد لما يمكن للفن تخيله أو التفكير فيه، يقول العثمان لـ»مكة» إنه يبحث عن اللحظات العابرة في الحياة، لإحكام قبضته حولها وتخليدها إلى الأبد، كما ينزع إلى الاحتفاء بالأماكن الهامشية وبالصراع النفسي والوجودي، محاولا الابتعاد عن المراجع الفنية التقليدية، يستلهم المبدع الشاب مقولة مارسيل دوشان «فني هو فن الحياة» ويضيف إليها مقولته الخاصة «الفن يعني العيش بعمق».
العثمان.. فن تخليد اللحظات إلى الأبد
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
