ناصية الصقر، والطاؤوس، وطلة الأفعى، والجماجم..جمادات منتصبة على عكاكيز شكلتها أنامل «الأب الحرفي»، الذي لطالما عدها كأحد أبنائه منذ نشأتها على راحة يديه.
العلاقة الوطيدة التي جمعت بين رجل الأعمال جميل مرزا و»فتياته الممشوقات القوام» – كما يطلق عليها دائما- ، كانت وليدة الحادث المروع الذي تعرض له، ليغتال حينها ودون سابق إنذار صابونة ركبته اليمنى، مما أدى إلى تهشمها لثماني قطع، جعلت منه ثلاثة أرباع رجل، مسندا ربعه الأخير »لرفيقه العكاز«.
«أتاح لي العكاز ما كان مدفونا بداخلي»..كلمات يبعثها بحصافة واتزان، ينعش بها ذاكرة الأيام الخوالي، والتي أينعت خلالها موهبته، كان فيها «روبوتا ذواقا لضروب العكاكيز»، ينتقي ما تلامس أنامله بحنكة ومهارة.
مرزا، الفتى الذي تقلد وسام أوائل الخريجين السعوديين في مجال الفنون، عاد مسنا في زي شاب يافع، يذكر كيف اقتحم بساط الفنون التشكيلية، ليؤسس لنفسه تجارته الخاصة، وينتج من صنع يديه ما يزيد عن 130 عكازا، ليحول مكتبه تباعا لذلك إلى ورشة لا تتسع إلا لقامته وزائريه وعشيقاته المتراصة على جانبيه.
وبحسب ما يرى مرزا فإن إنتاج العصي يعد فنا فريدا ونوعيا مقارنة بمنتجات المعارض التشكيلية والفنية ذات الطابع المعتاد، فنادرا ما نجد معرضا خصص لعرض «العكاكيز» بأشكالها وأنواعها كافة.
يقول عن اللحظة التي راح يصغي فيها لصديقه أحمد باديب»ألح علي هذا الصديق الشهم وشجعني لإقامة معرضي الخاص، وتعهد بإقامة الاستاندات الخشبية في ورشته للنجارة «، وبعد هذه الفرصة التي أهديت له من صديقه، لم يكتف «صانع العكاكيز» بعرض ما صنعت يداه، بل أيضا أقدم على عرض العكاكيز التي منحت له والتي ابتاعها من بعض الأسواق المحلية والأوروبية ذات الصبغة الأثرية والحضارية.
«العكاكيز» أو «العصي» في الحضارات السابقة كانت لها هيبتها ووقعها في النفس، حيث تكمن قدرتها الفولاذية في قوة تأثيرها على الشعوب والحضارات، فقد اشتهر الفراعنة باهتمامهم الكبير بالعصي ومنحوها قيمتها المستمدة من العدل، حيث تمثل ذلك في ملازمتها لأضرحتهم، ناهيك عن كونها محط فخر ومباهاة لدى الصينيين ومهراجات الهند، إضافة إلى سيادتها للقرون الوسطى إبان الفترة التي اشتهرت فيها المجتمعات الأوروبية بحمل «الصولجانات»، وهي عصي نفيسة طعمت بالجواهر..ليس ذلك فحسب، بل إن عصا النبي موسى تعد من أشهر أنواع العصي على الإطلاق، تزاحمها في الشهرة عصا النبي سليمان.
العكاكيز..تُعيد جميل مرزا إلى عالم الفن
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
