تقودك الدهشة وأنت تتجول في أرجاء حي البلدية بمكة المكرمة ويسابقك الفضول في طرقات الحي لتتبين أنه اسم على غير مسمى..أول ما يلفت نظرك أكوام النفايات التي تنبعث منهاالروائح الكريهة، وكلما توغلت ستلاحظ حزمة مخالفات تُنذر بكارثة؛ من كيابل الكهرباء المكشوفة وقد مددت بعشوائية وإهمال، وبنايات تتخللها أزقة ضيقة تفوح منها رائحة الجريمة، وحتى لو دفعك الفضول إلى التوغل أكثر ينتابك شعور بالخوف وربما الندم على الدخول إلى هذا الحي المنسي على مايبدو، فمعظم السكان من الجنسية البرماوية، وكأنهم عقدوا تصالحا مع سوء النظافة أو ألفوا العيش وسط الأوساخ المتراكمة، يطؤون عليها بأقدامهم، ويتسلقون ما ارتفع منها عن مستوى الأرض دون مشقة أو غرابة، ويستنشقون روائحها الكريهة بلا تضجر.
المخالفات يصعب حصر الظاهر منها، وما خفي أعظم، المشهد برمته يدفعك إلى الشك بأن هذا المكان في عالم آخر وليس كما هو على الوقع لا يبعد عن الحرم المكي سوى كيلومترات، لكن الحي لم يحظ باهتمام البلدية التي حمل اسمها، غير أن الفوضى تستوطن كل ناحية منه، فالمكان يلفه الغموض والعيون ترقب بحذر المتجولين متى ما شعروا بأنهم ليسوا من سكان الحي.
مدخل الحي وهو يطل من خلف أبراج على الشارع العام كأنها خدعة بصرية، ثم يبدو الطريق متعرجا ذات اليمين والشمال، ترى السكان جلوسا وكأنهم في حراسة، يطلقون صافرات إنذار متى ما شعروا بالخطر، وهو ما حصل فور مشاهدتهم لعدسة "مكة" التي بدأ مصورها بالرصد ليلوذ بعضهم بالهرب، ومن بين النفايات التي أذهلتنا كمياتها وتناثرها هنا وهناك، على وقع كلمات مبهمة هرب عامل بسرعة البرق كان جالسا وسط القمائم، مخلفا وراءه ساطورا لتقطيع الأسماك وغلته اختفت معه، وقبل أن نحاول الرجوع بالسيارة إلى الخلف، كانت عدة سيارت تضطرنا للصعود، ولا طريق للعودة.
على جانبي الطريق تنوعت أنشطة المحلات وكلها سيئ الشكل والمضمون، وطريقة عرض الأطعمة بدائية وغير صحية، وتحضيرها في الشارع معرضة للجراثيم التي بدا وأنهم اكتسبوا مناعة ضد أعتاها قوة، ولذلك لا يكترث البائع والمشتري لاشتراطات الصحة العامة التي تغيب عن ثقافتهم تماما، ومن بين أرجلهم شقت مياه الصرف الصحي قنواتها في الطريق الترابي، وحولت جزءا منه إلى وحل، وتكفل الجزء الباقي منه بكتم الأجواء بالغبار والأتربة المتطايرة.
كوابل الكهرباء تتقاطع يمينا ويسارا، بمختلف أحجامها ومقاساتها، بغير تصريح "قطعا" مددوها من عدادات الكهرباء المغذية للمنازل، دون مراعاة لسلامتهم وسلامة الغير.
في نهاية الشارع عمد شاب إلى تجييش صبية من أبناء جلدته، واستخدامهم لـ"تشليح" جامع مهجور والحصول على ما يمكن بيعه قبل إزالته.
بدوره، أوضح مدير العلاقات العامة والإعلام بأمانة العاصمة المقدسة، أسامة زيتوني، أن البلدية الفرعية ترسل فرق رقابتها في دوريات للحي بصفة مستمرة، لكن المخالفين يغلقون محلاتهم ويهربون من الموقع، بمجرد رؤية الفرق ورصدها من قبل عيونهم المنتشرة في كل مكان، وتعاونهم فيما بينهم وتحذير بعضهم بعضا، لافتا إلى أن كل هذه المخالفات ستزول قريبا، بإزالة الحي وشموله بخطة التطوير الشامل لمكة المكرمة.