يتنافس 24 معلماً كل أسبوع مع مياه السيول لتعليم 70 طالباً في مجمع عتبة بن غزوان التعليمي في (المَتِيْه)، الواقعة في تهامة محافظة سراة عبيدة بمنطقة عسير. وقفت مشاريع التنمية الحضرية حائرة أمام التضاريس القاسية للمنطقة؛ وحدة الماء الذي استطاع السّيل بين الجبال ليشق المسلك الوحيد الذي يصل (المَتِيْه) بما حولها، فأطلق عليه سكان المنطقة اسم (راحه)، الوادي الذي يتسع مجراه للسيول والصخور وسيارات المعلمين والطلاب
يتنافس 24 معلماً كل أسبوع مع مياه السيول لتعليم 70 طالباً في مجمع عتبة بن غزوان التعليمي في (المَتِيْه)، الواقعة في تهامة محافظة سراة عبيدة بمنطقة عسير. وقفت مشاريع التنمية الحضرية حائرة أمام التضاريس القاسية للمنطقة؛ وحدة الماء الذي استطاع السّيل بين الجبال ليشق المسلك الوحيد الذي يصل (المَتِيْه) بما حولها، فأطلق عليه سكان المنطقة اسم (راحه)، الوادي الذي يتسع مجراه للسيول والصخور وسيارات المعلمين والطلاب.

مطاردة الموت

«طاردنا الموت كثيراً في مجرى وادي (راحه)، وفي كل مرة؛ تنقذنا عناية الله من الموت غرقاً في مياه السيول المفاجئة والسريعة والقوية» .. بحسب رواية المعلم أ . م، واصفا لحظات الخوف التي عاشها وزملاؤه كثيراً في طريقهم إلى المجمع التعليمي في (المَتِيْه)، الذي يبعد 37 كلم عن مركز الفرشة بتهامة سراة عبيدة، أقرب المناطق الحضرية، ويتطلب الوصول إلى المجمع سيارة دفع رباعي، وللسير بها في مجرى وادي (راحه) قرابة الساعة ونصف الساعة في الظروف العادية. ويذكر المعلم ح . ص، أن أحد السيول «أغلق الطريق في العام الدراسي الماضي، فتوقفت الدراسة لأكثر من 40 يوماً».

غربة وعزلة

ويصف المعلم م . ش، الذي سبق له العمل في المجمع التعليمي قبل انتقاله منه في حركة نقل المعلمين قبل عامين، فترة تدريسه في ثانوية مؤتة بمرحلة (الغربة والعزلة)، مشيراً إلى أن عدم تغطية شبكة الجوال لموقع المجمع التعليمي يدفع المعلمين في (المَتِيْه) إلى صعود رؤوس الجبال القريبة للتواصل مع أسرهم والاطمئنان عليهم، مضيفاً : «أحد زملائي المعلمين لم يعلم بوفاة شقيقه إلا بعد 8 ساعات تقريباً، بعد حضور مجموعة من أقاربه إلى مقر السكن قرابة الساعة الثانية صباحاً».
ويطل مجمع عتبة بن غزوان التعليمي على وادي (راحه)، في مبنى مستأجر يضم ثلاث مدارس: عتبة بن غزوان الابتدائية، ومؤتة المتوسطة، ومؤتة الثانوية. ويقول المعلم ف . ص، إن معظم معلمي المجمع -البالغ عددهم 24 معلماً- من منطقة جازان، ولا يوجد بينهم مدرس متخصص في التربية البدنية. مضيفاً أن عدد الطلاب في العام الدراسي الحالي يبلغ 70 طالباً، مبيناً أنه لا يوجد طلاب في الصفين الابتدائيين الأول والثاني، بينما يدرس طالب وحيد في الصف الرابع الابتدائي، فيما يعد الصف الثاني الثانوي أكثر الصفوف من حيث عدد الطلاب، حيث يدرس فيه 18 طالباً.
ويفتقر المجمع التعليمي إلى وجود مقصف، إذ يشتري الطلاب قطع البسكوت والعصائر من منزل شقيقة مالك المبنى. ويدفع عدم توفر دورات المياه في المجمع الطلاب إلى استخدام دورة المياه الوحيدة في المسجد المجاور، أو الاختباء خلف الأشجار والصخور.

مكتبة في دولابين

ويذكر المعلم أ.م، أن المدرسة الابتدائية تتكون من أربعة فصول فقط، وعادة ما يدرس بقية طلاب المرحلة في المختبر أو في غرفة الإرشاد الطلابي؛ التي تضم إلى جانب مكتب المرشد الطلابي، دولابين يمثلان المكتبة المدرسية. مضيفاً : «يتشارك المدير والوكيل غرفة واحدة، بينما لا تستوعب غرفة المعلمين أكثر من خمسة أشخاص، ويكتفي معلم الحاسب الآلي بتدريس الطلاب نظرياً لعدم وجود معمل».
ويؤكد المعلم ح.ص، أن معظم طلاب المجمع التعليمي يفضلون ترك المدارس النموذجية المجاورة لمساكن أسرهم في الإسكان الخيري بمركز (عين اللوى) في محافظة سراة عبيدة بمنطقة عسير، والانتساب إلى المدارس البعيدة بحثاً عن مكافأة التعليم التي تمنح لطلاب مدارس المناطق النائية لزيادة دخلهم السنوي المحدود الناتج عن الزراعة والرعي وتربية المواشي. مضيفاً «بعض الطلاب ينقلون مجموعة من زملائهم الطلاب للحصول على أجور النقل المدرسي؛ التي تتكفل بدفعها وزارة التربية والتعليم».

طباخ مخالف

ويسكن المعلمون في المبنى السابق للمدرسة الابتدائية، المكون من 7 غرف، ومجلس، ومطبخ، ودورتي مياه، إلى جانب وجود جهازي تلفزيون، وثلاجتين لحفظ الطعام، وموقد غاز وحيد للطبخ، إلى جانب بعض وسائل الترفيه، مثل: تنس الطاولة، وجهاز بلاي ستيشن، وأحجار لعبة (الدومينو). وأكد المعلم ف.ص، أن خدمة الكهرباء الحكومية لم تصل إلا في العام 1433، وقبل ذلك كان المولد الكهربائي يستهلك نحو أربعة براميل من وقود الديزل شهرياً.
ويقول المعلم أ .م، المسؤول المالي لسكن المعلمين، إنه وزملاءه المعلمين يستقطعون من رواتبهم شهرياً 12 ألف ريال، يدفع منه 3 آلاف ريال قيمة إيجار السكن، ويصرف بقية المبلغ المالي على الأكل والشرب، مع استئجار طباخ، غالباً يكون من الجنسية الصومالية يقيم بشكل غير نظامي، وفي حال مغادرة الطباخ، يتفق وزملاؤه على جدول يومي لتوزيع مهام الطبخ، والتناوب لتوفير الخضار واللحوم والخبز والماء بكميات تكفي لأسبوع كامل. مضيفاً : «بعض زملائي من سكان تهامة سراة عبيدة يفضلون أكل لحم (الوبر)، وهو حيوان بري يصطادونه من الجبال المحيطة بالسكن».

يوميات المعلمين

ويروي المعلم ع.ق، يومياته وزملائه في السكن التي تبدأ بصلاة الفجر جماعة في المسجد المجاور، ثم يتناولون إفطارهم قبل التوجه إلى مبنى المجمع التعليمي، وبعد نهاية اليوم الدراسي يعودون إلى سكنهم، فينام بعضهم حتى موعد وجبة الغداء، وبعد صلاة العصر يغادرون إلى قمم الجبال القريبة منهم للاتصال بأقاربهم عبر الهواتف النقالة. مضيفاً : «نجتمع بعد صلاة المغرب لمشاهدة التلفزيون أو لعب تنس الطاولة أو لعب كرة القدم عبر جهاز (البلاي ستيشن)، وبعد صلاة العشاء ننجز مهام التحضير الدراسي وتصحيح واجبات الطلاب، ثم ينام الجميع استعداداً لليوم الدراسي التالي».

لدغة ثعبان

ويحكي المعلم أ.أ، قصة إنقاذه لمتسلل مجهول الهوية لدغه ثعبان أثناء مروره ليلاً بالقرب من سكن المعلمين، مضيفاً «بعد سماع صيحات استغاثة إنسانية؛ هرعت مع بعض زملائي تجاه مصدر الصوت؛ فوجدنا متسللاً صومالياً مصاباً في قدمه، ويتألم من لدغة حيّة، ولحسن الحظ كنت أحتفظ في غرفتي بحقيبة إسعاف أولية، وبعض الأدوية الخاصة بتخفيف الآلام والحرارة أو التسمم الغذائي، فأحضرتها لمعالجة الصومالي الملدوغ، الذي فضّل مواصلة السير شمالاً رغم إصابته».