استحدث الغرب تخصصا طبيا جديدا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي مع ذروة الموجة الاستعمارية هو طب المناطق الحارة «Tropical Medicine» أو كما كان يسمى «طب المستعمرات».
وأنشئت أول مدرستين لهذا التخصص في لندن وليفربول. وكان الهدف الأساسي لهذا التخصص الجديد هو الحفاظ على حياة وصحة الأوروبيين في تلك المستعمرات.
وكانت البلهارسيا -وهي عدوى بديدان طفيلية تنتقل عن طريق الجلد والمياه الملوثة- أحد الأخطار الشديدة التي تهدد الأوروبيين في المستعمرات خاصة مع انتشارها في العديد من دول أفريقيا وآسيا وحتى أمريكا الجنوبية.
وازداد الغرب رعباً من انتقال مرض البلهارسيا إلى بلادهم عن طريق المرضى الأوروبيين وتم رصد الأموال اللازمة واستدعي مجموعة من أشهر أطباء هذا التخصص للبحث في اكتشاف دورة حياة البلهارسيا وطرق العدوى والعلاج والوقاية ووزعت هذه الدراسات على الصين واليابان وجنوب أفريقيا، ونالت مصر النصيب الأكبر لانتشار البلهارسيا فيها منذ عهد الفراعنة.
وبعد سنوات طويلة من الدراسات المكثفة والوصول إلى نتائج مبشرة، خاصة في الوقاية والعلاج توصل العلماء إلى نتيجة مفادها أن البلهارسيا من المستحيل أن تنتقل إلى أوروبا وأن خطورتها على الإنسان الغربي تقريباً شبه معدومة.
ورغم قرب التوصل إلى حل نهائي لهذه المشكلة التي تهدد الملايين، أوقف الغرب أغلب أبحاثه ودراسته حتى إنه في عام 1939 نشر هارولد سكوت الأستاذ بمدرسة لندن لطب المناطق الحارة مرجعاً شاملا في جزأين عن هذا التخصص تم حذف البلهارسيا منه تماماً.
وكما قال دافيد أرنولد في كتابه «الطب الإمبريالي والمجتمعات المحلية» إن البلهارسيا تتعرض فقط للهجوم عندما تصيب السكان البيض بعدواها.
وهكذا يتم تأسيس تخصص طبي مهم وفقاً لتأثيره على الإنسان الغربي، فإن أمن الغرب هذا المرض فلا باس أن يصاب ويموت به ملايين البشر في قارات العالم وصدق العرب حين قالوا: ما حك جلدك مثل ظفرك فتول أنت جميع أمرك.