لا نحب في الدنيا شيئا كما نحب كل ما يتعلق بـ(تراثنا) أو (ميراثنا) أو (موروثنا)، من متعلقات الزمن الماضي باختلاف تشكلاته وخطاباته.. ومن أجل هذه العاطفة (الرقيقة) صادقنا التراثيين وأشعلنا الحروب مع كل من يدعي وصلا بليلى بنت التحديثيين (الحداثيين)..!
ولست أدعي في هذا النثار رفضا و(انتقادا) لهذا الاحتفاء باللحظة الماضوية (التراثية)، بقدر ما أردته مقاربة (موضوعية) لتلك التداعيات التراثية (كما سترون). أول ما يلفت النظر أن كلمة (تراث) في اللغة العربية لم تعرف في أي عصر من عصور التاريخ العربي، فالكلمة تجعلها المعاجم اللغوية القديمة مرادفة للإرث أو الميراث، الذي يرثه الإنسان من والديه (من مال وحسب)، والذي كان ميدانا خصبا لعلماء الفقه الإسلامي، أما لفظ (التراث) فهو غائب (بالكلية)، وفي الحقول المعرفية العربية والإسلامية (كالأدب والفلسفة وعلم الكلام)، فلا نكاد نعثر لها على أثر. وبالنسبة للغات الأجنبية التي منها(نستورد)، منذ بداية (يقظتنا) الحديثة (إنجليزية أو فرنسية)، فإن كلمتي heritage وpatrimoine لا تحملان نفس (المعنى) الذي نسقطه الآن على (التراث). وبذلك نرى أن (التراث) بمعنى (الموروث الثقافي والفكري والأدبي والديني) والملتحف ببطانة وجدانية أيديولوجية، لم يكن حاضرا خلال (١٣) قرنا من (زمننا) العربي الإسلامي!
وإذا كان الإرث/ الموروث هو عنوان اختفاء الأب وحلول الابن مكانه، فإن التراث أصبح بالنسبة للوعي العربي المعاصر عنوانا لحضور الأب في الابن.. الماضي في الحاضر. ومن هنا ننظر إلى تلك الثقافة، لا على أنها بقايا ثقافة الماضي، بل على أنها (تمام) هذه الثقافة و(كليتها): إنها العقيدة والشريعة واللغة والأدب والعقل والوعي والحنين والتطلعات.. إنها بصياغة أخرى: المعرفي والأيديولوجي بسياقيهما العقلي والوجداني معا. فإذا عرف أحد المؤرخين الألمان التاريخ بأنه: «حاصل الممكنات التي تحققت» فإن التراث في الوعي العربي المعاصر لا يعني الممكنات فحسب، بل هو حصيلة الممكنات المتحققة بالفعل، والممكنات التي كان (يمكن) أو (ينبغي) لها أن تتحقق! كان التراث بداية النهوض في مستهل تاريخنا الحديث، لأنه من جهة أخرى يمثل سلاحا فاعلا في مواجهة التحديات الغربية المقابلة، ليتشكل حضور التراث كمفهوم وجداني في الخطاب العربي المعاصر من خلال صورتين، أولهما الصورة التقليدية التي وجدناها واضحة لدى المثقفين المتخرجين من (الأزهر) في مصر، و(القيروان) في المغرب و(الزيتونة) في تونس، والتي اعتمدت على أخذ أقوال القدماء (كما هي)، استنساخا وانغمارا تاما في إشكاليات المقروء بروح استسلامية صرفة، لنجد -بعد ذلك- أن آفة هذا المنهج (الموغل في اللحظة التراثية) تنحصر في غياب الروح النقدية التاريخية عن الذهنية الجمعية.
و(ثاني) الصورتين هي الصورة العصرية الاستشراقوية، (والتي سار على نهجها بعض الباحثين العرب)، ومنهج هذه (الصورة) يعتمد الربط بين ظاهرة الاستشراق، وبين الظاهرة الاستعمارية التي تحددت معالمها من خلال الصراع الأزلي بين الإسلام والمسيحية خلال القرون الوسطى،كما أن (المستشرق) صاحب المنهج التاريخي في مقاربته للتراث، يفكر شموليا في الفلسفة الإسلامية كجزء من كيان ثقافي عام -الثقافة العربية الإسلامية- بوصفها امتدادا (خاطئا) للفلسفة اليونانية! وإذ أتينا للمقاربة (الموضوعية) لذلك (التداعي التراثي)، فإذا كان التراث هو الجانب الفكري الفلسفي في الحضارة العربية الإسلامية قبل (عصر الانحطاط)، فإن تحديد هذا العصر اختلف باختلاف السياقات، فالسلفي التقليدي يرى أن ذلك (الانحطاط) يعني الانحراف عن سيرة السلف الصالح، والذي بدأ لدى بعضهم مع ظهور الخلاف في آخر عهد عثمان (رضي الله عنه)، والبعض الآخر يحصر هذا (السلف الصالح) في عهد النبوة، أما السلفيون الجدد والعصرانيون والقوميون، فهم يتفقون على أن عصر الانحطاط قد بدأ عمليا منذ هجوم التتار، فسقوط الأندلس (الحزين)، ثم قيام (الإمبراطرية العثمانية). وهذا يؤكد على اتفاق (الجميع) على أن (التراث) هو من إنتاج فترة زمنية تقع في الماضي، وتفصلها عن الحاضر مسافة زمنية بعيدة عن الحضارة المعاصرة.. الحضارة الغربية الحديثة، لأن الراسخ في الوعي الجمعي، هو أننا نزداد بعدا عن تراثنا كلما اقتربنا من هذه الحضارة الجديدة، ولا شك أن هذا الوعي يغذي في أطياف عربية ما، الحنين الرومانسي إليه، وفي أطياف أخرى (مقابلة) الرغبة في القطيعة التامة معه. وبعد.. فإن حضور (التراث) كمفهوم (نهضوي) في الذهنية العربية المعاصرة يحكمه التناقض بين مكوناته الذاتية ومكوناته الموضوعية..التناقض بين (ثقل) حضوره الوجداني على الذهنية العربية، وبين بعده الموضوعي التاريخي عن اللحظة الحضارية المعاصرة، وهذا يعني بأنه (تراث) غير معاصر لنفسه.. غير معاصر لأهله.. للحظته.. لتطلعات أصحابه.. على الإطلاق!.. هذه هي أزمتنا (الحضارية) بجد، التي تقف عائقا أمامنا نحو المشاركة في (عمارة الكون الرحيب).. وفي الحياة بأسرها!