هناك أخبار ومقالات لا يحب القارئ السعودي قراءتها تحت أي ظرف من الظروف، أو على الأقل لا يحب قراءتها صباحاً، حرصاً منه على أن يحتفظ بمزاج جيد طوال يومه، وإيماناً منه بأن مثل هذه المقالات تُصيبه بـالتلبك المعوي! ولكن السبب المؤكد أنه شبع حتى تضلّع من قراءتها بشكلٍ يومي في الصحف المحلية، وتعاد كل يوم مع تغيير طفيف على صياغة بعض العبارات.
من أبرز هذه الأخبار المكررة، هي حوادث الطرق في المملكة العربية السعودية، فمنذ سنوات وأنا أقرأ المقالات والإحصاءات المرعبة عن هذه المجزرة بدون أي بوادر لعلاج هذه الظاهرة الشنيعة، ويؤسفني القول إنه لا توجد هناك استراتيجية واضحة أو بارقة أمل في القريب أو البعيد تستأصل المشكلة من جذورها، بل نلاحظ أن أغلب التصريحات تضع اللوم على المواطن المسكين، وهنا نجد لهم العذر لو كانت السرعة هي السبب، ولكن ما الحل إذا كان سبب حصد الأرواح البريئة هي الطرق المتهالكة؟ والتي لا تنطبق عليها المعايير الدنيا لسلامة من يسلك هذه الطرق.
تقول الإحصاءات الرسمية والتي لا تكذب أبداً إنه في عام 2011 بلغ عدد ضحايا حوادث الإرهاب في العراق حوالي 4000 شخص، بينما بلغت لدينا الوفيات في نفس العام أكثر من 7000 شخص بسبب رداءة الطرق واهترائها، أي أننا تجاوزنا ضحايا أعمال العنف والإرهاب في دول مجاورة، وقالت أيضاً نفس الإحصائية بأننا في المملكة نحتل المركز الأول عالمياً في عدد ضحايا حوادث الشوارع والطرق خلال العقدين الماضيين، بما مجموعه 86 ألف نسمة! متجاوزين بذلك عدد ضحايا حروب الأرجنتين والهند وباكستان، والخليج، والنيبال الأهلية، وحرب استقلال كرواتيا، وكذلك حرب الصحراء الغربية، والتي يبلغ ضحاياها مجتمعة 82 ألف شخص.. وهذه الإحصائية هي الأكثر حيرة وذهولاً، وهذا يثبت أن شوارعنا ساحات حرب حقيقية تبحث عن حل.
كل هذه الإحصاءات، والأخبار السيئة، والتي لا يعرف مراراتها إلا من فقد قريبا له في هذه الطرقات، تجعلنا نطالب بحل جذري وعاجل جداً، فنظام ساهر لوحده لم يعد يجدي نفعاً في ظل الاحتيالات التي يُمارسها السائقون لتجنب فلاشاته البراقة، بعد أن ثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأنه نظام جباية وهذا ليس بحاجة إلى إثبات.
ولكي نعالج ما يمكن علاجه، لا بد أن يضرب بيد من حديد من يملك القرار الحاسم للحد من الحوادث القاتلة، وذلك بإعادة النظر في تصميم الطرق وجودتها، ومعايير السلامة لهذه الطرق.
والأهم من كل ذلك هو إعادة رجل المرور إلى الميدان بقوانين صارمة لمن يستهتر بالأرواح البشرية، وترك الاعتماد الكلي على نظام ساهر، فطرقنا تعج بالمخالفات والفوضى المرورية، وليس سراً إن قلت إننا الدولة الوحيدة في العالم التي تخلو من أية مراقبة مرورية معتمدين بذلك على نظام «ساهر» في ظل فوضى مرورية واضحة للعيان.