من كرم الله ورحمته بأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن خفف عنها في أمورٍ كثيرة لعلمه سبحانه وتعالى بقصر أعمارها.
فكلفها بالعمل القليل ووعدها بالأجر الجزيل، فكان من رحمته بهم أن افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة وجعل أجرها كأجر خمسين صلاة.
ولم يتوقف هذا الكرم الرباني عند هذا الحد، بل عندما علم منا الضعف أجرى بكرمه علينا نعمة اللطف فقال:{ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} ولم يقل «الذين هم في صلاتهم ساهون «، فالمراد بالأولى هو ترك الصلاة من باب عدم الاهتمام بها، أما لو كان السياق كما في الثانية فيكون المراد به السهو، وهذا فيه ما فيه من المشقة على أمة حبيبه، لأن كل إنسان يسهو في الصلاة إلا من رحم الله، ومع ذلك أكرمنا بغفران الذنوب ولو كانت كزبد البحر فقال صلى الله عليه وسلم :(من سبح الله تعالى دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)، ما هذه النعمة وما هذا الكرم؟!
ومن كراماته لنا أن أكرمنا بليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، أي أن ثواب قيامها أفضل من ثواب عبادة ثلاث وثمانين سنة وثلاثة أشهر. ولو وفق الله مسلما لها طيلة عشرين عاماً فإنه يكتب له بإذن الله ثواب يزيد على من عبد الله ألفا وستمائة وستة وستين سنة.
ومن كرم الله ورحمته بهذه الأمة أن أجرى الستر عليها مقابل التوبة الصادقة والاستغفار، فقد كان فيمن قبلنا من الأمم إذا أذنب أحدهم ذنباً بالليل أصبح مكتوباً على باب بيته فلان فعل كذا وكذا، فكم هي نعم المولى سبحانه وتعالى علينا والتي لن نستطيع أن نحصي واحدةً منها لأن في كل نعمة آلاف النعم المنطوية فيها؟ قال سبحانه: { وإن تعدوا نعمة اللّه لا تحصوها} ولم يقل وإن تعدوا ( نِعَمَ ) بصيغة الجمع بل قال (نعمة) بصيغة الإفراد، لذلك أسعفنا نبينا عليه الصلاة والسلام بقوله : (يصبح على كل سلامى من ابن آدم صدقة، تسليمه على من لقي صدقة، وأمره بالمعروف صدقة، ونهيه عن المنكر صدقة، وإماطته الأذى عن الطريق صدقة، وبضعة أهله صدقة، قالوا: يا رسول الله يأتي شهوته وتكون له صدقة؟ قال: أرأيت لو وضعها في غير حقها أكان يأثم؟ قال: ويجزئ من ذلك كله ركعتان من الضحى). يا الله! ركعتا الضحى تغني عن هذا كلهِ ؟! كم أصبحت مهجورة عند الكثير إلا من رحم الله.
بل حتى النية الصادقة في فعل الخير إن وجدت حصل بسببها الثواب وإن لم يكن هناك عمل، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله ( إنَّ بِالْمَدِينَةِ قَوْمًا مَا سَلَكْتُمْ وَادِيًا وَلَا قَطَعْتُمْ شِعْبًا إلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ، حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ). فَأَعطَى للمعذُور مِنْ الْأَجر لصدق نيتهِ ما أَعطَى للقَويِّ العامل بفَضله.
ولو جهدت الأمة المحمدية بأسرها في سرد كرم الله ورحمته بها لما وسعها الصحف، ولجفت بسببها الأقلام.
ولا يسعنا إلا أن نقول سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.
التخفيف من كرم الله ورحمته بهذه الأمة
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
