لكل مجتمع قيمه الخاصة التي تحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض، والتي غالبا ما يكون قد ورثها من الأجداد، أو التي استحدثها حسب الظروف المحيطة. وبالطبع تتغير هذه القيم من زمن لآخر، و لنأخذ مثلا مفهوم «العيب»، و هو مستمد بشكل عام من قيم وعادات اجتماعية لا علاقة لها بالدين في أحيان كثيرة، لكنها تُعامل معاملة الشرع، و أحيانا تُتبع أكثر من تعاليم الشرع نفسه. فعلى سبيل المثال، في الستينات وفي المجتمع المكي كان عيبا على البنت غير المتزوجة أن تضع المكياج، و أيضا كان عيبا كبيرا جدا أن تنفق المرأة على بيتها بعد الزواج، و إن مر زوجها بضائقة و ساعدته، فذلك يعتبر كرما كبيرا منها وجميلا، يقدره الزوج لها بقية عمره. والأمثلة كثيرة لا يتسع المجال لذكرها هنا، لكن معظم تلك المبادئ و القيم تخضع للعرف السائد ولا تخضع لحلال أو حرام.
وكما تعرفون، فإن مفهوم العيب اليوم تغير كثيرا عما في السابق، وهذا طبيعي، بل إن الأمر وصل بالجيل الجديد إلى رفض كلمة العيب جملة وتفصيلا، و اعتبار مفهوم العيب»عيبا» في حد ذاته! لكن المتأمل لواقع الشباب وطريقة تفكيرهم، كما تظهر في المدونات و على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، يجد أن مفهوم العيب لا يزال يعيش بيننا، لكن بصورة مختلفة وتحت مسمى جديد، ألا و هو «مو كوول» أو تحت مسمى»تخلف»! فبالرغم من رفض جيل الشباب لمفهوم العيب، لأنه يحد من حريتهم ويفرض وصاية على سلوكهم و أفكارهم، إلا أن هؤلاء الشباب أنفسهم قد شكّلوا مفاهيمهم الخاصة لما هو مقبول اجتماعيا و لما هو غير مقبول، أي عيب أو «مو كوول»!
و إليكم بعض الأمثلة:
* عيب و مو كوول!
يتم نقد الفتاة التي تعبر عن فرحتها بالخطوبة، أو التي تضع صورة خاتم خطوبتها على الفيس بوك أو تويتر، أو التي تعبر عن حبها لزوجها! و قد يتم نقدها نقدا شديدا جدا يصل إلى درجة الأنفولو و الأنفريند!
* كوول!
و في نفس الوقت، لا يجد جيل الشباب حرجا في البوح بالآهات ذات الطابع الإباحي لعشيقة مجهولة أو لحبيب متمَنِّع!
* عيب و تخلف!
الفتاة التي تعرف الطبخ «دقة قديمة» تشبه جدتها، رغم أنها قد تكون أكثر أناقة و رشاقة من عاشقات الأكل القمامي من السوق! أما الفتاة التي لا تطبخ فهي «جدا كوول»، لأنها أثبتت وجودها...فقط لأنها مختلفة عما يتوقعه منها مجتمعها!
و الغريب في هذا الأمر بالذات هو أن الشاب الذي يطبخ يعد»كوول، مرة مرة» في نظر أبناء جيله، بل ويعد «صيدة» ثمينة للبنات اللاهثات لزوج طباخ خمسة نجوم! فلا يعيب الفتاة اليوم افتقارها لأبسط المهارات الحياتية التي يحتاجها أي إنسان ذكرا كان أم أنثى، لكن يعيب الشاب، أو لنقل ينقص من رصيده ومن قبوله لدى الفتيات، أنه لا يعرف الطبخ!
طبعا لا داعي لأن أخبركم بالأمر الواقع الذي سيحدث بعد الزواج، فلا الزوج «الكوول» سيطبخ، و لا الزوجة الكسول ستفعل ذلك، بل الشغالة، فهي التي ستكون «أكوَل» وحدة!
و من الأمور «اللي مو كوول» أبدا أن تكون الفتاة بيضاء، و ألا تقوم تلك البيضاء بعمل»برونزاج» لحرق أو لتسمير بشرتها! و في نفس الوقت، فإن الفتاة التي تضع مكياجا كثيرا يتم انتقادها بشدة من الجنسين بحجة أنها غير طبيعية...سلامات؟ يعني البرونزاج طبيعي؟ هل أنتم أحرار لتغيروا لون بشرتكم و غيركم ليسوا أحرارا بوضع مكياج ثقيل؟ (و إن كنتُ طبعا ضد المكياج الزائد).
و من الأمثلة المضحكة على المقبول و غير المقبول لدى الشباب: النظرة الدونية التي ينظر بها أصحاب الآيفون إلى أصحاب السامسونج، و الحروب الطاحنة التي تدور بين الفريقين، فكل فريق يقلل من مميزات جهاز الآخر، بل ويصل الأمر إلى التقليل من درجة رقي الآخر حسب الجهاز الذي يستخدمه! و لا أرى هذا الأمر إلا صورة من زمن الأجداد الذين كانوا يتفاخرون بالأموال والأملاك، لكن بطريقة عصرية مختلفة!
قيود غريبة وضعها مجتمع الشباب على أنفسهم بأنفسهم! يطالبون بالحرية ويرفضون الوصاية وهم يقومون بنفس الشيء بعضهم مع بعض!
طبعا أنا لا أعترض على المقبول و غير المقبول لدى الشباب، لكنني أنكر عليهم سلوكا أنكروه على الأجيال السابقة، ألا وهو وضع شروط للمقبول و غير المقبول اجتماعيا! و الأسوأ الذي يفعله الشباب اليوم هو إقصاء أي رأي مخالف لهم بدون تفكير وتفكُر في الأمور. و لا أدري لماذا يجب على شابة ما أن تكون جاهلة بالطبخ و تسمِّر بشرتها لتكون مقبولة بين زميلاتها، بالرغم من أن ذلك قد يتعارض مع رغبتها الحقيقية وطبيعتها. لا أدري لماذا يتوجب على شاب ما أن يسهر طوال الليل ويصل الليل بالنهار ليكون «كوول» في نظر أصدقائه، و إلا وصفوه بأنه «بزر» و»حبيب أمه»!
أليس في ذلك تقييد ووصاية؟ طبعا أنا ذكرت أمثلة بسيطة، وهناك أمثلة كثيرة أخرى، لكن كل ما أود قوله هو أن مفهوم العيب للأسف لا يزال يعيش في بعض مجتمعات الشباب رغم رفض الكثيرين منهم له. ويؤسفني أن أقول إنني أرى بعض الشباب غارقين في مفهوم العيب الخاص بهم، و لاهثين خلف فرض مفاهيمهم الشخصية على غيرهم! أتمنى أن يخفف الشباب من الوصاية، بعضهم على بعض، إذا كانوا يؤمنون بالحرية ويفهمون معناها حقاً!
محاضرة لغة إنجليزية ومشرفة نادي المسرح في كلية دار الحكمة، مترجمة، مهتمة بالقضايا الاجتماعية والتربوية.
العيب الجديد!
5 دقائق للقراءة

حجم الخط
