العقوبات الأمريكية والغربية ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأعوانه، بغض النظر عن مدى عدالة الأسباب التي دفعت إليها، تعرض للخطر ما حاول الرؤساء الأمريكيون أن يفعلوه ويعززوه خلال أكثر من نصف قرن من الزمن –استمرار الانقسام وانعدام الثقة بين الصين وروسيا. حتى الآن، العقوبات ضعيفة ومن غير المحتمل أن تؤدي إلى كثير من التغيير في العلاقة المالية بين الدول الأوروبية وروسيا، ولكن إذا تمت تقوية هذه العقوبات، كما يقترح الرئيس الأمريكي باراك أوباما، فإن الحسابات في موسكو والصين قد تتغير بسرعة.
بعض قادة الدول الأوروبية يفهمون مخاطر توحيد أكبر دولة غنية بالموارد في أوراسيا مع أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان أو على الأقل، العرقلة الدائمة التي يمكن أن يؤدي إليها ذلك من الناحيتين العسكرية والاقتصادية.
هذا الأسبوع، نشرت صحيفة لوموند الفرنسية على موقعها الالكتروني خارطة تفاعلية مخيفة حول الروابط التي تجمع كل دولة من الدول الأوروبية مع روسيا، والتي يقول عنها الرئيس أوباما بغرور إنها مجرد «قوة إقليمية». في واقع الأمر، بالنسبة لكثير من دول الجوار، تعتبر روسيا عراب القوى الإقليمية. فنلندا، وإيثوانيا، وإستونيا، وسلوفاكيا، وجمهورية التشيك جميعها تشتري كل ما تحتاجه من الغاز الطبيعي من روسيا. أما بولونيا، والنمسا، ولاتفيا، وبلغاريا، واليونان فإنها تعتمد على روسيا في تأمين نصف إلى ثلاثة أرباع ما تحتاجه من الغاز الطبيعي. حتى القوة الاقتصادية الأكبر في أوروبا، ألمانيا، تعتمد على روسيا لتأمين 40% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي.
لكن الظروف ربما تتغير في مايو القادم، يخطط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للقيام بزيارة رسمية إلى الصين. على رأس جدول أعماله: اتفاقية لمدة 30 سنة لإعادة توجيه الإمدادات الروسية الضخمة من الغاز الطبيعي إلى الصين. على الأقل 38 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي كل عام ستبدأ بالتدفق إلى الصين بحلول عام 2018. ذلك يساوي تقريبا ما تشتريه دول الاتحاد الأوروبي، باستثناء ألمانيا، من روسيا كل عام.
قرار روسيا بأن تفك ارتباطها مع الشركاء الأوروبيين الذين لا يمكن الاعتماد عليهم سيكون له نتائج أوسع من ذلك بكثير.
روسيا مستثمر أساس في أوروبا الغربية، بما في ذلك 31 مليار دولار في هولندا، و30 مليار دولار في قبرص، و8 مليارات دولار في سويسرا.
الأمريكيون والأوروبيون مستثمرون كبار هناك أيضا. منذ عام 2009، تدفقت مئات مليارات الدولارات إلى روسيا لشراء الأسهم والديون. الاستثمار المباشر من قبل الشركات الأجنبية في روسيا وصل إلى رقم قياسي يقدر بـ94 مليار دولار في سنة 2013 وحدها.
علاوة على ذلك، روسيا مقصد رئيس للصادرات الأوروبية –حيث إن شركة سيمنز الألمانية الضخمة وحدها في منتصف تنفيذ عقد لتوريد قطارات للخطوط الحديدية الروسية، وفرنسا من جهتها تنتج سفينتين حربيتين من نوع ميسترال للبحرية الروسية بكلفة تصل إلى 1.2 مليار يورو. التجارة بين روسيا والاتحاد الأوروبي وصلت إلى أكثر من 400 مليار دولار في عام 2013، بعد الولايات المتحدة والصين فقط.
في وقت من الأوقات، في ذروة الفترة الشيوعية، كانت هناك مخاوف من أن تجتاح الجحافل الصينية الحدود وتهيمن على روسيا وشعبها. منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، وخاصة بعد وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة، بدأ الجمود الذي كان يغلف العلاقات بين الصين وروسيا بالذوبان. الانقسام الصيني-السوفيتي كان حقيقيا وملموسا في عهد الرئيس ماو تسي تونج، وستالين وخلفائهما.
الآن، رغم طرد روسيا من نادي مجموعة الثمانية (G8)، فإن الصين وروسيا أصبحتا زعيمتين لكتلة أخرى من القوى: منظمة شانجهاي للتعاون، التي تضم أيضا دول آسيا الوسطى التي كانت في يوم من الأيام مكونات ضمن الاتحاد السوفيتي.
من الواضح أن روسيا تستعد لنظام جديد بشكل من الأشكال. مع كل مجموعة إضافية من العقوبات، يتم إعداد المسرح من أجل الانفصال. بعد أن أقنع البيت الأبيض شركتي فيزا وماستر كارد بإلغاء البطاقات التي أصدرتها بنوك روسية، وأعلن الرئيس بوتين عن إنشاء نظام دفع روسي له بطاقات اعتماد خاصة واكتتاب خاص به.
في نهاية المطاف، علينا أن نستمع بعناية إلى المخاوف الأوروبية بأن تشديد العقوبات سوف يعزل أوروبا والولايات المتحدة بقدر ما يعزل روسيا. المخاوف من أن يجبر الخطاب المتشدد للرئيس أوباما روسيا على إدارة ظهرها للغرب في النهاية، واعتماد انفتاح جديد إلى الشرق مخاوف كبيرة وحقيقية.
* يو إس إي تودي
العلاقة الروسية – الصينية تحت المجهر
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
