بينما تتسارع التقنية بشكل لا يهدأ، بات علينا نحن أن نهدأ قليلا، ونفكر مليا، فمراجعة التصرفات من شيم الوعي الرشيد، ومساءلة النفس من دلائل العقل السليم.
وعندما نرى هذا الكم الهائل من معطيات التطور العصري ووسائله ووسائطه، ونلاحظ حجم ارتباطنا الوثيق بهذه المعطيات حتى باتت تحدد شكل علاقاتنا ولا تنفصل عن أي جزء من حياتنا اليومية، حينها فقط سيكون علينا أن نقارن ما كنا عليه قبل سنوات قليلة وما نحن عليه الآن، وأن نتساءل: ما الذي جاءت به التقنية بالضبط؟ وكيف أثر علينا من حيث نعلم أو من حيث لا نعلم؟من سنة الحياة أن لكل شيء نظرة يمكن قياسه بها، وأن الأشياء مختلفة بطبيعتها بين ما لها من محاسن، وما عليها من عيوب، غير أن المبدأ يقول إن كل مكتشفات الإنسان من علوم وتكنولوجيا ومخترعات حديثة لم توجد إلا كي تخدم هذا الإنسان وتطور مجتمعه وتجعل حياته أسهل وأفضل، وتحقيق فائدة كهذه لا يتأتى إلا بحسن استخدام هذه الوسائل وتوظيفها بالطريقة المثلى كي لا تتحول من عامل بناء وتطوير، إلى معول هدم وتدمير.
لقد جاءت تقنيات التواصل وبرامجه على الهواتف الذكية لتمنح الناس فرصا أكبر للتجمع وتبادل الأخبار وتقريب كل بعيد، ولعل أحد أشهر هذه البرامج هو (الواتس اب) الذي تحول في فترة وجيزة إلى مجتمع افتراضي يكاد يوازي المجتمع الفعلي إن لم يتفوق عليه أحيانا من حيث الحضور والتواصل والأحاديث، فأسهمت مجموعات الدردشة أو ما يعرف بـ (القروبات) في إتاحة نمط جديد من التواصل بين أبناء الأسرة الواحدة، أو زملاء العمل، أو رفقاء الدراسة، وغيرهم.
فكرة مثالية في شكلها، غير أن مضمونها جاء بكثير من التطبيقات الخاطئة والسلوكيات غير المسؤولة، فتحولت بعض هذه المجموعات من مجتمعات مصغرة للألفة والمودة واطمئنان الناس على بعضهم، إلى ما يشبه تكتلات منفصلة تستمرئ القيل والقال، وتتتبع أسرار البيوت، ولا تراعي خصوصية الأفراد، كما ظهر فيها من التهميش والتعريض والإساءات ما قطع الكثير من أواصر الوئام بين فئات عائلية أو اجتماعية بعينها.
فلنعرف أولا أن التقنية لم تأت للقطيعة بين الناس، ولكن الناس هم من استخدموها في ذلك، وهذا لا يتوقف عند (الواتس اب) فقط، بل يشمل جميع مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت مجالا مفتوحا لاستقطاب العداوة وإفساد الود، دون إدراك حقيقي لمعنى وثقافة الاختلاف في الرأي.
وفي كل الأحوال يفترض أن يكون ديننا هو أساس تعاملنا مع الآخرين وضابط تخاطبنا معهم، فكل إنسان هو انعكاس لتربيته، وتجسيد لصورة أهله ومجتمعه وبيئته، والناس في أي تعامل بينهم لا يبحثون عمن يحدثهم مطولا عن الأخلاق، ولكن يرغبون في أن يعاملهم بها.
أخيرا، حين تكون قيمنا هي الأولوية في التعامل ويكون حسن ظننا هو المرجعية في الاختلاف، وقتها لن نخشى من تأثير وسائل التواصل، ولن تقلقنا برامج المحادثة أو غيرها، بل سنكون قادرين فعلا على وضعها في مسار إيجابي نافع يعزز صلة الرحم ويعمق روابط الأصدقاء، وهي دعوة من هذا المنبر أوجهها لكل من خسر شخصا، أو أغضب قريبا، أو قاطع صديقا، فلنتصالح الآن جميعنا، لأن ما يجمعنا أكبر وأهم مما يفرقنا، وليكن كل (قروب) فرصة للتعبير عن خير ما غرسه فينا أهلنا الكرام، وسببا إضافيا لما هو لدينا وبيننا من محبة واحترام.
الواتس اب ليس للقطيعة.. فلندخل (قروب) التصالح!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
