أكد الباحث والمؤلف الموسيقي محمد السنان أن موت الأغنية الخليجية جاء من البحرين من خلال فرقة «أجراس»، جاء ذلك خلال ندوة «ملامح الموسيقى في الخليج العربي»، التي أقيمت بأدبي الشرقية الأربعاء الماضي.
وقال السنان إن الفن الغنائي والموسيقي في الجزيرة مر بمراحل عدة يصعب حصرها، تأثر خلالها بكل المتغيرات التاريخية بدءا بظهور الإسلام وانتهاء بعصرنا الحاضر، ونتيجة للتوسع الإسلامي الذي حدث نتيجة الغزوات والحروب وانفتاحه على الحضارات الأخرى مثل فارس والروم واعتناق كثيرين للدين الحنيف، فقد نقل هؤلاء معهم فنونهم وعلومهم إلى الجزيرة العربية التي تأثرت بها وأصبحت جزءا مهما من تكوين الحضارة الإسلامية.
وأشار السنان إلى أنه عندما استلم بنو أمية مقاليد الأمور امتدت الإمبراطورية العربية حتى نهر جيحون وجبال الهندوس شرقا، وحتى المحيط الأطلسي وجبال البرانس غربا، فبدأت الحضارة الإسلامية تشق طريقها إلى المجد فازدهرت الفنون والعلوم، وانتقلت الموسيقى العربية إلى مرحلة جديدة، وأخذ الفن منعطفا جديدا، وبدأت مظاهر الترف تطغى على الحياة العامة، ونشطت حركة الموسيقى والغناء والرقص يقابله في الاتجاه الآخر التقلص التدريجي لنفوذ المؤسسة الدينية.
وفي فترة الحكم العباسي، اهتموا بالعلوم والفلسفة والآداب والموسيقى وسائر الفنون الأخرى، بالإضافة إلى نشاط الترجمة التي كانت النافذة للتعرف على حضارات بعض الأمم المتحضرة.
ويؤكد السنان أن القرن الـ 15 كان دون شك هو نهاية المطاف لكل أصناف العلوم والثقافة، وبداية عهد الانحطاط، حيث أسدل ستارا كبيرا على النشاط الفكري والثقافي، وفي الوقت الذي بدأت أوروبا عهدا جديدا هو «عصر النهضة»، بدأ ليل العرب الدامس يشتد ظلمة وعتمة، حيث خيم الخراب العثماني وأطبق تماما على كل أوجه الحياة، فصادر الكتب وأحرقها وفرض طوقا حديديا على حرية الفكر والتعبير، واستمر على مدى ثلاثة قرون، حتى جاء محمد علي باشا ليضع حدا لتلك العصور المظلمة ويقود حملة التنوير في مصر، تلك الحملة التي تأثرت بها باقي الأقطار العربية.
ويضيف السنان: «لقد سبق انتشار الأغاني الحديثة في دول الخليج ازدهار بعض الألوان الشعبية، ومنها الأهازيج التي كانت ترافق الاحتفالات والأعراس والتي كانت لغتها أقرب إلى الفصحى منها إلى العامية.
ويبين السنان أن أغلب دول الخليج مثل: السعودية «شرقها» والبحرين والكويت وقطر والإمارات وعمان تشترك في فنونها الشعبية، وأهمها وأكثرها شعبية، هي تلك المرتبطة بالبحر مثل الغوص وصيد الأسماك واللؤلؤ، وبعضها مرتبط بالحياة الاجتماعية مثل الأعراس والمناسبات، ويعد الموال من أهم أنواع الشعر الشعبي وقد استغلت الأغنية البحرية في الخليج والجزيرة نصوص الموال وصاغت أغلب ألحانها عليه.
وعن فن الصوت يقول السنان إنه يعد من أقدم وأرقى وأبدع الفنون الجميلة التي عرفها العرب، ووصل إلى المغرب بواسطة زرياب عندما هاجر من بغداد، وانتقل بعد ذلك عبر الأندلس وانتشر فيها، ولكنه اختفى بعدما توصل ابن زيدون لفن الموشح، وبقي فن غناء الصوت في الجزيرة العربية إلى الآن وسمي بعد ذلك في اليمن والحجاز بالدان، موضحا أن الفرق بين الموشح والصوت أن الأول ترقص عليه النساء والرجال، أما الثاني فيرقص عليه الرجال فقط.
وذكر السنان أن عام 1962 يعد نقلة تاريخية في السعودية بالنسبة للموسيقى، بعد أن كانت تعد من المحرمات ويجرم من يمارسها أو حتى من يستمع إلى أسطوانة على جهاز الجرامافون، أو من لديه آلة عزف كالعود أو الكمنجة، وقد شهدت المنطقة الشرقية في ذاك العام احتفالا كبيرا بمناسبة عودة الملك سعود بن عبدالعزيز من الرحلة العلاجية وتحولت مدن المنطقة الشرقية بأكملها إلى كرنفالات لم تشهد مثلها السعودية من قبل ولا من بعد، بحسب السنان، فقد أضيئت شوارع وحدائق الخبر والدمام والقطيف والأحساء على مدار الساعة وكأنها مدينة لاس فيجاس الشهيرة، وقد استخدمت آلات مثل العود والكمان بالإضافة طبعا للطبول والدفوف والصاجات وقد شارك في ذلك الحفل فنانون من البحرين مثل محمد زويد، ومن اليمن أحمد يوسف الزبيدي وكذلك فنانون من المنطقة الغربية، والملفت أنه بعد الاحتفال خرج كثيرون من الموسيقيين وكأنهم كانوا يمارسون الفن الموسيقي تحت الأرض، وكانت تلك بداية تكوين فرق موسيقية.
ويشير الموسيقي السنان إلى أن الأفول للأغنية بدأ منتصف العقد السابع من القرن الماضي، بعد رحيل عمالقة الغناء والموسيقى في الوطن العربي والخليج، فبدأت تظهر على السطح إرهاصات موت الأغنية الخليجية عندما انتشرت بين الشباب الخليجي، البحريني على وجه الخصوص، أغاني ديميس روسوس «فار أواي»، وكذلك أغاني البوني إم و»الفور إم»، مشيرا إلى إسهام فرقة أجراس البحرينية في ذلك، تلك التي التزمت بالأغنية الإنسانية والوطنية ناشرة ثقافة اليسار من خلال الأعمال التي كانت تقدمها ضمن قوالب غنائية غربية صرفة، مبتعدة عن كل ما يتصل بالفنون أو القوالب الخليجية، متأثرة بما حدث للأغنية الإيرانية التي اتجهت صوب لون «البوب».