في دراسة سيميائية خص بها «مكة»، كتب المحاضر بكلية الآداب وفنونها بجامعة حائل، فهد البكر أطروحة نقدية عن «العتبات في الرواية السعودية..حضور الإبداع وغياب النقد»، معرفا العتبات ومدى حضورها في الرواية المحلية، وقصور النقد الأدبي في تناول مثل هذه الظواهر الفنية في الأعمال السردية.
في البدء يقول الباحث: إن هذه الدراسة ترمي إلى استكناه اتجاهات جديدة في نقد الرواية اﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ، التي تشكل حضورا طاغيا في المشهد الثقافي في عصرنا الراهن، فيما عجز النقد عن مواكبة هذا المد الروائي الكبير خاصة خلال السنوات العشر الأخيرة.
وعلل البكر تأخر النقد عن الإبداع بقوله: من الطبيعي أن يتأخر النقد عن رصد الإبداع، ذلك أن الدرس النقدي يقتضي حدا أدنى من تراكم التجارب الإبداعية لنضج العلاقة بين المنتج الإبداعي والتلقي.
ويشير البكر إلى تعريفات عدة لمصطلح العتبات، ومنه تعريف الدكتور محمد القاضي بأنها: مجموع العناصر النصية وغير النصية التي لا تندرج في صلب النص السردي، لكنها متعلقة به وفيه تصب ولا مناص له منها، موضحا أن دراسة العتبات ليست رصدا لظواهر شكلية كما يظن البعض، بل إنها «ممهدة للدخول إلى عوالم النص والولوج في أسراره والتعمق في كوامنه، وقد تفسر غامضا، أو تكشف مبهما أو تحفز المتلقي وتشجعه وتشوقه، كما أنها قد تصنع أفق انتظار للمتلقي بالسياق الثقافي والجمالي للمتلقي ولهذا فإن دراسة العتبات من المنظور التداولي أمر يمكن استغلاله لفهم العالم الروائي في صلته بالسياق الثقافي والجمالي».


الغلاف

ثم شرع البكر في الوقوف على نماذج من الرواية السعودية التي بلغت 575 رواية، بحسب رصد بيلوغرافي، للقاص خالد اليوسف، وبدأ الباحث بالغلاف الذي يربط بين عنوان الرواية والغلاف، الذي يعد شكلا من أشكال تواصل الجمال، والذي قد يوحي بشيء من تفاصيل الرواية أو أجوائها السردية.
واستشهد البكر ببعض الروايات ومنها «حين تركنا الجسر» لعبدالرحمن منيف، «خاتم»، و»طوق الحمام» لرجاء عالم و»الموت يمر من هنا» و»الطين» لعبده خال، والتي لم أجد لغرابتها، بحسب بوصفه، في أغلفتها، ما يتناسب معها، مستدركا بأنها قد تكون عميقة الدلالة وتحتاج إلى قراءة مركبة وتواصل فني غير لغوي عبر عناصر: الألوان، الظلال، الأحجام، المشاهد الواقعية، المشاهد الرمزية.


العنوان

وهو العنصر الثاني أو العتبة الثانية، والتي يراها الكاتب أنها الأهم، فهي ترسم خارطة الرواية وتمنح القارئ تأشيرة الولوج إلى عوالمها، حيث تتنوع العناوين بين المثير والغرائبي والمجازي والشاعري، وشعرية العنوان، بحسب الباحث، أمر ينبغي التنبه إليه والوقوف عنده لأنه يضيف شعرية الرواية لا سيما إذا كان ثمة توافق بين العنوان والرواية من حيث لغتها وتنوع أفكارها.
ثم عرج الكاتب نحو عبارات الإهداء أو التصدير والشكر التي تأتي غالبا في الورقات الأولى من العمل الروائي، ورأى أن بعض الأعمال الروائية تنأى عن الإهداء النمطي المألوف، وبعضها يقدم بعبارات فلسفية مقتبسة، أو من وحي الكاتب بما يراه متناغما مع نصه السردي المطروح.


العتبات الرقمية «التبويب»

وهنا يوضح الباحث أن بعض الكتاب يلجؤون لترقيم عملهم الروائي أو تجزئته إلى فصول، أو تبويبه بحسب التسلسل الحدثي للرواية أو الخيط الحكائي للعمل، وربما تقسم الرواية بحسب الأحداث أو الأزمنة أو الأمكنة، ثم يختم الباحث دراسته عن عتبات الرواية بما يختم به أغلب الروائيين من ملاحق وفهارس ومقالات، أو مقولات قيلت في تجربة الروائي الكتابية، وغالبا ما تكون على الغلاف الأخير من العمل الروائي.
ويقول البكر: إن ظاهرة العتبات في الرواية السعودية لم تلق الاهتمام الكبير الذي يعرضها على مشرحة النقد فيكشف عن جمالياتها ويبرز وظائفها وأدوارها، وعلاقتها داخل النسيج الروائي، فكل ما كشفنا عنه من دراسات، رغم قلتها وتواضعها، لم يصل إلى حد الطموح والأمل المنشود.