يواجه فلسطينيو الداخل (الأراضي المحتلة في العام 48 التي أقيمت عليها إسرائيل) تحدياً غير مسبوق، يأمل سائر الفلسطينيين، أن تجتازه الأحزاب الحاضنة لإخوتهم في الداخل بنجاح، يضمن تمثيلاً مستحقاً، للكتلة البشرية العربية الفلسطينية، يجعله القوة الرابعة داخل برلمان إسرائيل (الكنيست). ويجدر القول مبكراً، إن الشكوك
لا تزال كبيرة في أن تجتاز الأحزاب العربية هذا التحدي بنجاح، لتخوض بقائمة عربية واحدة، الانتخابات الإسرائيلية العامة التي ستُجرى في السابع عشر من شهر مارس المقبل!
كانت قوى اليمين العنصري المهيمن حتى الآن على «الكنيست» قد استحدثت تعديلاً في القانون الانتخابي، يرفع نسبة تأهل القوائم لدخول البرلمان من الحصول على 2% من مجموع الأصوات في الصناديق، إلى 3.25% والهدف هو جعل الأحزاب العربية تتكسر آحاداً، فلا تحصل مجتمعة على العدد الذي حصلت عليه في انتخابات العام 2013 (أقل من عشرة مقاعد) علماً بأن الوزن المستحق للأصوات العربية الفلسطينية في الداخل، لا يقل عن 14 مقعداً في حال جرى تصويت العرب بكثافة. وفي الحقيقة، سيكون السبب الرئيس لتعثر وحدة القوى والأحزاب العربية، ناشئاً عن صعوبة الإجابة الوفاقية عن السؤال: من يأخذ ماذا؟ ففي البداية، كان الأمر الذي اتفقت عليه هذه الأحزاب، هو الذهاب إلى ما يُسمى «محكمة العدل العليا» للنظر في الطعن الدستوري في رفع نسبة الحسم وإرجاعها إلى 2%. معنى ذلك أن أحزاب الفلسطينيين العرب في الداخل، بتوجهها إلى المحكمة، كانت كمن أعلنت أنها لم تعد قادرة على جمع صفوفها، لكي يحصل الفلسطينيون على 14 مقعداً، لتصبح القوة السياسية الرابعة في «الكنيست» مثلما جاء في الاستطلاعات. ففي محاولة إحراز شكل من الوحدة لخوض الانتخابات بقائمة واحدة؛ كانت لكل حزب مطالبه الحصرية من هذه القائمة المرتجاة. وحتى حزب «حداش» (الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة) فقد كانت له مقاربته أو شرطه، لكي ينضم إلى قائمة الفلسطينيين الذين يلتقي معهم حول النقاط والأهداف السياسية العامة. فهو يعتبر نفسه حزباً عربياً ــ يهودياً مختلطاً، وفي حال انضم إلى قائمة الأحزاب الفلسطينية العربية، فإنه يطالب بوجود يهود منه في القائمة، لأن المناسبة هي، أولاً وأخيراً، انتخابات لبرلمان إسرائيلي، يحرص الحزب على أن يكون فيه ممثلون يهود لوجهات نظره السياسية.
إن ارتفاع وتيرة العنصرية والتطرف اليهودي في إسرائيل، يجعل الأحزاب العربية مضطرة لخوض الانتحابات في قائمة واحدة، وإن لم تفعل، فإنها ستعرّض مستقبل الأقلية الفلسطينية في أرض وطنها التاريخي لخطر كبير. فالزمن المتبقي قصير، والخلافات الشخصية ينبغي تجاوزها بسهولة والتركيز على المهمة الرئيسة وهي درء الخطر الذي سيجعل الأصوات المطالبة بالتطهير العرقي أعلى وأقوى. فمعلوم أن كل مقاربات التسوية الآن مع الفلسطينيين تشتمل على مقترحات ظاهرها العدل وفحواها الظلم، أي تبادل الأراضي، بمعنى أن يقضم المحتلون الإسرائيليون أرضاً من الضفة، لزرع المستوطنين فيها وللتمدد الديموغرافي، مقابل إحالة البؤر ذات الكثافة السكانية الفلسطينية في الجليل والمثلث، إلى الدولة الفلسطينية بدون حقولها وخراجها من الأرض.
لقد بات من باب الاضطرار، بالنسبة للعرب الفلسطينيين في إسرائيل، المشاركة المكثفة في الانتخابات، لأن النتائج تؤثر عليهم، وسيكون الاستنكاف عن المشاركة بذرائع أيديولوجية مكملاً لأهداف الهجوم العنصري الصهيوني على الفلسطينيين بذرائع أيديولوجية مضادة. بل إن القوى السياسية الإسرائيلية العلمانية، عندما تدعو العرب إلى المشاركة، كأنما تطالبهم بمساعدتها على إنقاذ «الديموقراطية» الإسرائيلية التي تردت وانزاحت إلى غلبة قوى التطرف والحرب. بل إن هؤلاء يرون في برلمان بدون تمثيل حقيقي للعرب الفلسطينيين؛ برلماناً ناقصاً. لكن الإلحاح الأهم، على وحدة الأحزاب العربية، هو أن الخطر المحدق الذي يستوجب تحشيد الصوت العربي لتلافي الإقصاء وسريان مخططات القوى الأشد تطرفاً!

