لخادمتنا طفلة اسمها (ستي عايشة). جاءت إلينا وعُمرها تقريباً شهران. ألقينا عليها جميعاً نظرة خاطفة، وعلقنا مازحين بأنها تشبه أمها كثيراً. كنت في غدوي ورواحي إلى المطبخ أراها ممددةً في لحافها، وقد أسندت أمها زجاجة الحليب بوسادة، فهي عادة إما مشغولة بجلي الأطباق أو تنظيف المنزل. كنا نادراً ما نسمع صوت بكائها، ونعلق بأنها هادئة أكثر من اللزوم. فكأن ذلك المخلوق الصغير رضَع من أمه كَسرة نفسها، واستشعر بأنه لا يحق له أن يطالب كثيراً في بيوت الغرباء.
نتفرج في التلفاز على أطفال المجاعات والحروب والفقر. فنشعر بالتعاطف والألم لحالهم، ونتمنى لو أن بإمكاننا فعل شيء لهم. فترانا ننبهر بتلك الممثلة العالمية التي تزور أفقر مناطق العالم. فتمسح على رأس ذاك وتقبل الآخر وهي على وعي باحتمالية أنهم ربما لم يستحموا منذ عام، وأنهم ربما محملون بأمراض وفيروسات لم يكتشفوا لها اسماً بعد. ويغيب عنا بأن مثل هذه النماذج قد تكون متواجدة في حياتنا، وقريبة منا لدرجة الاعتياد الذي قد يعمينا عن التعاطف مع سوء أحوالهم، وعُمق حاجتهم. فلربما تعاطفنا ظاهريا مع أبناء الخدم، ولكنهم إذا ما ارتفعت أصواتهم فسنتأفف، وإذا ما كبروا قليلا وبدؤوا يجوبون في المنزل فسنتضايق إذا ما اقتربوا من إحدى مقتنياتنا، أو عبثوا بشيءٍ من ألعاب أولادنا. وقد نشعر ببعض القرف، أو عدم استحسان حملهم أو تقبيلهم، فهم في لاوعينا من سلالةٍ أقل شأناً من سلالتنا!
كم الإنسانية والرحمة جميلة حينما تنقل عبر الشاشات، وفي زيارات الملاجئ، وكصور وقصص على مواقع التواصل الاجتماعي. وكم هي صعبة حين تظهر في حياتنا ويحين وقت ممارستها الفعلية.
تُرى أما آن لنا أن ندوس على ذلك الكبر البغيض المندس بين ثنايا مثاليتنا؟، وأن نتجاوز ذلك الإحساس المقيت بالأفضلية المتأصل في جذور نشأتنا؟. لأننا حينها فقط سنشعر بالأريحية وابنة الخادمة تجوب المنزل تصيح وتلهو. وحينها فقط سنحملها ونقبلها بأنفسٍ أيقنت بمساواة البشر، وبرحمةِ رب البشر.
ستي عايشة
هبة قاضي2 دقائق للقراءة

حجم الخط
