الإعلام الجديد والاحتراق النقدي
محمد العوفي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
ارتبط مفهوم «الإعلام الجديد» بوسائل الاتصال الحديثة خصوصاً تلك المرتبطة بالإنترنت، ويشمل بمفهومه الواسع كل ماله علاقة بالمدونات، والشبكات الاجتماعية مثل فيس بوك وتوتير، وبرامج اليوتيوب، والكيك، ويضيف إليها بعض المختصين الصحافة الإلكترونية. الإعلام الجديد له مسميات ومصطلحات عده منها: الإعلام الرقمي، الإعلام التفاعلي، إعلام المعلومات، إعلام الوسائط المتعددة، الإعلام الشبكي الحي على خطوط الاتصال ( Online Media)، الإعلام السيبروني (Cyber Media)، والإعلام التشعيبي ( Hyper Media ).
ولا يختلف أحد على أن هذا النمط الإعلامي الجديد أسهم بشكل كبير في سرعة نقل الخبر والحدث في وقته دون تدخل مقص الرقيب، إلى جانب كسر الروتين المتعارف عليه في تعامل الإعلام التقليدي مع القضايا، كما أنه رفع سقف الحرية بعد أن كانت تئن تحت رحمة المؤسسات الإعلامية، ووزارة الثقافة والإعلام، وأصبح إعلاماً مؤثراً لاعتماده في معظم الحالات على التوثيق بالصوت والصورة، مما ساعد في كشف الغطاء عن كثيرا من الممارسات السلبية المتفشية في المجتمع، ولم يترك مجالاً للإنكار أو التبرير.
ومع الثورة التكنولوجية، خصوصاً في مجال الهواتف الذكية شهد استخدام الإعلام الجديد ارتفاعاً لا نظير له، ففي السعودية مثلا، يأتي تويتر والفيس بوك على قائمة الهرم، حيث تجاوز عدد مستخدمي تويتر فقط 2.9 مليون مستخدماً، ونحو 7.8 مليون مستخدم للفيس بوك، وشكل هذان التطبيقان وغيرهما من تطبيقات الإعلام الجديد متنفساً في نقد المشاكل الاجتماعية والممارسات الإدارية، والتي قد تصل في بعض الحالات إلى حد المبالغة في تصويرها، كما أنه أصبح منبراً رئيساً في معركة «كسر العظم» بين الملتزمين والليبراليين، بعد أن كانت محصورة في المنابر وخطب الجمعة وأعمدة الصحف، وتطور الأمر إلى استخدامه في تصفية الحسابات بين أعضاء التيار الواحد، والتشهير بالمخالفين، كما كشف الجانب الخفي من شخصيات من يسمون «نخبة المجتمع» من رجال دين وأكاديميون ومثقفون، تمثلت اتهامات متبادلة وقائمة من الشتائم التي تحفل بكل ما هو رخيص من مفردات، وألقاب وتسميات «أرخص»، بصورة عكست «قبحا» أخلاقياً كشف عورة المجتمع التي كانت تغطيها أسمال الإعلام التقليدي وسلطة الرقيب.
كما أنه استخدم في تشويه صورة المجتمع بما يتنافى مع معايير الإسلام الأخلاقية، ويأخذ هذا التشويه سيناريوهات مختلفة، كاستخدامه في خلق الشائعات وبثها دون الاكتراث بالنتائج المترتبة على ذلك، إلى جانب تداول المعلومات الخاطئة دون التثبت من صحتها، ويزداد الأمر سوءاً عندما تطرح قضايا الدين والطائفية بشكل سلبي بهدف تأجيج النزاعات والصراعات، وتلبية رغبات وتطلعات أفراد أو مؤسسات وقوى خفية تهدف إلى زعزعة وتهديد أمن المجتمع.
وعلى الرغم من أهمية النقد الموضوعي الهادف الذي يعتمد على أسس واضحة، إلا أن الاستخدام المفرط للإعلام الجديد خصوصا بالشكل غير المنصف، وربما توظيفه لتحقيق أهداف خفية، إلى جانب استخدام الأساليب الرخيصة في النقد عزز لدينا ظاهرة «إدمان النقد»، ومع استمرار المخالفات والتشوهات والانحرافات الإدارية والمجتمعية وصلنا إلى مرحلة مرضية -تبلد فيها حس المجتمع بكامله- فلم يعد النقد يجدي نفعاً، ولا يحرك ساكنا، معلنا بداية مرحلة جديدة يمكن تسميتها بمرحلة «الاحتراق النقدي».
وهذه المرحلة ما هي إلا محصلة نهائية مأساوية للنقد المتطرف غير الموضوعي، وذلك عندما يمارس النقد لمجرد النقد نفسه أو كنوع من التنفيس والتهكم والسخرية، وتنعدم الثقة في التفكير الناقد، ويصبح عديم الجدوى أو غير مكترث به، يكون العزوف عن النقد البناء والإيجابي لظواهر المجتمع ومشكلاته سمة طبيعية، وتعتبر الكتابة عنها، أو ناقشها ضربا من الجنون، والاكتفاء بالتأمل والمشاهدة دون اكتراث بها، وبالتالي لا يمكن تجاوزها بسهولة كونها ترتبط بالضمير أو الوعي الجمعي.
ولأهمية التفكير الناقد والنقد البناء في بناء وتطور المجتمع، وفي إعادة صياغة وتقويم كثيراً من الانحرافات والممارسات الإدارية والسلوكية الخاطئة، فإن العودة إلى النقد المتوازن الذي يبني على معايير شفافة وواضحة تركز على نقد الممارسات والأفكار دون الأشخاص، هو الطريق الأمثل لتجاوز مرحلة الاحتراق النقدي التي ستسهم في فقدان الدافعية إلى النقد، والاستماع إليه.
