الشباب الذي يفرض نفسه في مرحلة الحياة الإنسانية، بل يُشكّل أقوى المراحل وأهمها، كان هو مرتكز الحديث العقلي الثقافي والمجتمعي والسياسي، هو حديث الشعراء والحكماء والواعظين، وكان حديثاً عقلياً بامتياز.
وقد تضاعف هذا الحديث العقلاني مع الشباب في عصرنا الذي تعددت فيه وسائل التواصل بشكل غير مسبوق. إلا أن هذه الوسائل قد كشفت عن حقيقة أخرى من واقع الشباب والفتيات.
تعبر هذه الحقيقة عن حالة الامتلاء، بل الفيضان من حديث العقل معهم. فهم يرون ـ وهم على حق ـ أن هذا النوع من الكلام قد صاحبَهم مذ عرفوا الحياة.
فالبيت والمدرسة... كلاهما تقولان (خليك عاقل، وعيب كذا) وعلى روح الطفولة السلام. وفي مرحلة ما يسمى المراهقة كلام بعضه صحيح، وبعضه مثالي يترنح به مربون زعموا في مقالاتهم وعلى شاشات التلفزة، ومعلمون تربويون يقرؤون عن الشباب ولا يقرؤونهم.
إلا أن الشباب يقولون وبكل صراحة إن لنا مشاعر يجب احترامها، ولنا مرحلة عمرية نحب أن نعيش تجربتها، ولنا قصة في النجاح نريد أن نكتبها. ونحن في عصر نتواصل فيه مع العلم والفلسفة والنصيحة والتربية بشكل مباشر ومن وجهات نظر متعددة وتجارب متنوعة.
يقول الشباب إن كل ما نريده اليوم أن تفتحوا لنا قلوبكم وتسمحوا لمشاعركم أن تتدفق لتخالط مشاعرنا. ليس لمجرد أن تحنوا علينا ونشكو إليكم!! لا، ولكن لنحبكم وتحبونا، لتستمعوا إلى صوت قلوبنا وتستمتعوا بأحلامنا في فضاء الوجود.
وللشباب والفتيات حديث طويل كله رقة وذوق وتلطف لم ولن يجد صداه عند محكمة عقولنا الافتراضية.
والسؤال: هل سيتغير خطابنا الديني ـ الفقهي والوعظي ـ مع الشباب؟
وهل سيلتقي خطابنا التربوي والتعليمي والسياسي مع روح الشباب؟
وهل ستكون خططنا التنموية واستراتيجياتنا الوطنية الموجهة للشباب واعية لكينونة الشباب والفتيات؟ أم إنها ستعالج مشكلاتهم الاجتماعية وتغطي بهم سوق العمل وتتخلص من طلباتهم المادية!! وتحملهم مسؤولية الفشل الاجتماعي والاقتصادي؟.
وإذا كان السؤال: هل ستتغير خطاباتنا؟! فإن الشباب والفتيات قد اتخذوا قرارهم نحو الوعي والطموح والتألق وهم يشاهدون العالم ويتواصلون معه وكل ما يريدونه هو الدعم القانوني والمادي لتترسخ مؤسساتهم ومشروعاتهم وإبداعاتهم على الأرض، وعند ذلك يمكن لكل أحد أن يقول وينقد فلا أحد فوق النقد والتصحيح.
إن التواصل مع الشباب والفتيات بذكاء مشاعري، وعقل مفتوح سيكشف كم هم رائعون في عمق أرواحهم وصفاء نفوسهم. وإن ما يصدر من بعضهم -وإن اعتبرناه نوعاً ثانيا منهم- من سلوكيات غير مرغوبة لا يخلو من كونه صحيحا لكن عقل الفقيه يرفضه لا لدليل إلا ما وقر في عقله الباطن ومثله الرفض الاجتماعي.
وهذا النوع الثاني ليس مخطئاً، لكنه الباب المفتوح للتعبير عن الحالة النفسية والمشكلة الاجتماعية والمالية التي يعيشها الشاب والفتاة. وخلاصة الأمر أننا في حاجة إلى تقويم سلوكنا نحو الشباب قبل تقويم سلوكهم، هنأنا الله بهم وهنأهم الله بوعينا.
الحديث مع الشباب.. من العقل إلى المشاعر
محمد الدحيم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
