لو تعلم الإنسان أهمية فضيلة الحوار، وعظمة السؤال، لقطع بذلك نصف الطريق إلى المعرفة الحقّة البعيدة عن الارتهان إلى الصعلكة في الحوار، ولعلنا نحاول أن نتلمّس جانبًا مما ينسجه بعض هؤلاء الصعاليك في الحوار، وتحويله إلى سجال لا ثمرة منه تُجنى، ولا فائدة به تُرتجى.
وتعجب أن تختلف مع أحدهم حول موضوع فكريّ يستحقّ المراجعة، لتتأصّل الفكرة بهذا الاختلاف، ولإثراء البحث في الأنسب والملائم، وليعيد الرجل النظر في ما تلطّف مشكورًا بقوله، فتراه يترك أصل الفكرة، لتسيل منه العبرة، ينبري بمفردات منتظمة، وأفكار غير مرتبة، ولا مقنعة، ولهجة محرّضة، وكأنه في ساحة حرب قد هُزم فيها، لا ساحة حوار من الممكن أن يفيد منها، وهو
لا يعلم أنه بهذا الفعل يُعدّ خارجًا عن أدبيات الحوار، متلبسًا لباس الصعلكة الفكريّة الممجوجة، خاسرًا حربه وحواره، دون دراية بأحواله.
وأعجب من ذلك أن يكون مثل هذا من أولئك الذين يراه بعضهم من النخبة، أو من أولئك الذين تُشرع لهم المنابر، لنفع من لا يعرفون أحواله وصعلكته،
ولا يعلمون أنه أشبه ببغاء يردد ما جاد به آخرون، ذلك أن الإبداع لا يمتّ إليه بِصِلة، فلا هو بالمفكر، ولا هو بالشاعر، كلامه هجين مكرور ولا تجديد، تعرف آخره قبل أن ينطق بأوله. فتراه على سبيل المثال: يردّد في سجاله متشنجًا أبياتًا مستهلكة، أو يتشدق بغباء حكايات معارة؛ ومن ذلك البيت الذي يتغنى به في صورة كوميديّة، وحُقّ لمثله أن يتغنّى: “لو كل كلب عوى ألقمته حجرًا...”، أو يسرد حكاية يراها ساخرة فيستهزئ بها ممن يحاوره ليقدمها للبسطاء ممن هم في مثل حاله، وهي التي تشير إلى حكيم سُئل عن كلب عضّه، فقال: هل أبادله بعضّة مثله، ومثلها حكاية ذلك الذي سُئل عن حمار رفسه، فأجاب: هل أرفسه كما فعل، وفي هاتين الحكايتين الساخرتين وما سبقهما ما يشير إلى المدى الذي وصل إليه عقم فكره وبساطة تفكيره، فلو لم يكن حكيمُه المعهود قريبًا من الكلب، ومارس عملًا يشبهه لما عضّه، وفي حكاية رفس الحمار ما يشابه ذاك أو يزيد، فالاقتراب منه دليل على تمتعه بالبيئة نفسها، مثل مشاركته أكله وشربه، هو من أولئك الذين يرمون الكلام بلا مقياس، ويستشهدون بلا تمحيص.
إن التركيز على حوار الأفكار، والتباعد عن التشخيص، وعدم الولوج إلى نوايا المحاور، محاور رئيسة في كل منجز فكريّ يتوسل الوصول إلى ثمرة الحوار وخصوبته، وإلا فإن ما يقال يدخل في باب فوضى الكلام وهرائه، الذي يصنعه أولئك الصعاليك تحريضًا أو تهديدًا، وهم لا يعلمون أن الكلمة الصادقة الجادّة ماضية دون خوف، لتشقّ طريقها في عباب كلمات بلا معنى، ولعل في هذا ما يكفي أولئك الصعاليك بذواتهم تعريفًا، وما يدعو إلى إيقاد بصائرهم مستقبلًا.