تعج منطقة السوق التي لا تهدأ فيها الحركة ببلدة كيليس في جنوب شرق تركيا بأطفال يعملون في إصلاح الأجهزة المنزلية وبيع البقلاوة والحلي ليصبحوا العائل الرئيس لأسرهم التي يعجز أربابها عن العثور على عمل.
وتسببت الحرب في سوريا بنزوح 2.5 مليون سوري للخارج منهم 700 ألف على الأقل مسجلين رسميا في تركيا في إطار سياسة الباب المفتوح.
وقد غير طوفان اللاجئين شكل منطقة الحدود الجنوبية فظهرت للوجود محال بقالة سورية كثيرة تبيع المنتجات السورية وارتفعت أسعار العقارات إلى مستويات فلكية.
وأصبح هذا الطوفان عبئا على نظام التعليم المحلي مع توالي شكاوى الآباء من عجز المدارس عن استيعاب أعداد أكبر من التلاميذ.
ويعيش أكثر من 220 ألف سوري في مخيمات تركية، لكن أغلبية اللاجئين يعيشون خارج هذه المخيمات بلا تصريح رسمي بالعمل، وهؤلاء ليس عليهم الالتزام بحظر التجول المعمول به في المخيمات، وينجح البعض في اقتناص فرص عمل على نحو غير رسمي في الحقول أو مواقع البناء ويقبلون عادة أجورا أقل مما يتقاضاه نظراؤهم الأتراك.
ولا يذهب للمدارس من بين من يعيشون خارج المخيمات سوى 14% من الأطفال السوريين وفقا لبيانات هيئة إدارة الكوارث والطوارئ التركية، إذ إن غالبيتهم يخرج للعمل مهما كان ما يتقاضونه زهيدا حتى يسهموا في دخل الأسرة.
يعمل يحيى ابن الثانية عشرة في استوديو للتصوير، حيث يقوم بنقل بطاقات الذاكرة والصور من الطابعات وإليها بأجر أسبوعي 35 ليرة «16 دولارا» بعد أن حصل على علاوة في الفترة الأخيرة.
ويقول يحيى: إنه يحن لأيام المدرسة في سوريا حيث كان الدين أحب مواد الدراسة إلى قلبه لأنه يعلمنا الاستقامة.
ويشكو يحيى من عدم وجود مكان له في المدارس التركية كما أنه لا يعرف ما إذا كانت مؤهلاته الدراسية من خلال التعليم في المدارس السورية ستحتسب له في المستقبل وهو هاجس يلازم الأمهات السوريات من الطبقة المتوسطة.
وقال بشيء من الحرج «بابا اشتغل يومين لكن الآن ما عنده شغل، نحنا خمسة أولاد وبنتين، أربعة منا يشتغلون لإعالة الأسرة»، ويعمل يحيى إلى جانب حسن ابن الثالثة عشرة الذي أصبح نابغة في استخدام برنامج فوتوشوب أثناء عمله في الاستديو، وحسن رقيق الصوت حسن الهندام من عائلة متعلمة والده مدرس وأمه نجلاء كانت من الناشطات في درعا قرب الحدود الأردنية وكانت تشجع النساء على الانضمام للانتفاضة على حكم بشار الأسد.
انتقلت الأسرة من درعا عندما سجنت بعض صديقات نجلاء وزميلاتها من المحتجات، وقالت الأم إنها ترسل حسن للعمل بعد انتهاء اليوم الدراسي لإبعاده عن المشكلات.
أبناء النازحين يعززون تجارة الذهب
أمام واجهة متجر تتلألأ فيها الأنوار بحارة تمتلئ بمحال الحلي وقف شقيق يحيى البالغ من العمر 17 عاما يترجم للمتحدثين بالعربية.
قال رئيسه في العمل سيف الدين كوز أغلو إن مبيعاته تضاعفت في العامين الأخيرين بفضل اللاجئين السوريين.
وأضاف وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة أمام واجهة متجره التقليدية» في السنة الأولى لم يعرفوا ماذا يفعلون، الأسر السورية لديها في الغالب ستة أو سبعة أطفال يخرجون للعمل، وهذا قد يحقق لكل منهم دخلا يبلغ 50 ليرة في الأسبوع.
وتابع وهو يربت على رأس فتى سوري آخر يدعى عبدالرحمن عمره 13 عاما وأتقن اللغة التركية بسرعة «الأتراك الذين يحققون دخلا يدخرونه، أما السوريون فينفقونه على الذهب».
ويقول عبدالرحمن: إن جميع أقاربه يبحثون عن عمل وإنه لو كان في سوريا لعاش حياة عادية يذهب فيها للمدرسة التي كان يفضل فيها مادة اللغة العربية، وإتمام التعليم الثانوي في تركيا إلزامي ويكون هذا عادة في سن السابعة عشرة، ويرفض أغلب الناس مناقشة مسألة تشغيل الأطفال رغم أن من غير الواضح ما إذا كان شرط إتمام الدراسة ينطبق على السوريين الذين يوصفون رسميا بأنهم «ضيوف».
وبشيء من الحزن يتذكر الأطفال حياتهم في سوريا وهم يخدمون الزبائن بابتسامة على الوجوه وشعور بالامتنان لصاحب العمل التركي.
ويقول يحيى: مهما كانت الحياة هنا فسوريا هي بلدنا.

