(الشوفة ستكون غدا بعد المغرب).. قالها عمي واتكأ بزهو بالغ وهو يحسو فنجان قهوته ويرمق السقف بنظرات متأملة، ولم تكن المشكلة بالنسبة لي موعد الشوفة أو النظرة الشرعية، ولا حتى قائمة الشروط والطلبات السابقة لها والتي تشبه شروط معاهدة حرب، لكن المشكلة أنه كان ينبغي لي حينها وخلال أربع وعشرين ساعة أن أحدث انقلابا في هيئتي يفوق انقلابا عسكريا في دولة ما، وذلك أن الشوفة أو النظرة الشرعية عندنا تشبه عمليات الليزر، تحدث في دقائق ويبقى أثرها العمر كله!
وكان أول ما فكرت به الحلاق، فقد كان شعري طويلا بما يكفي لإحداث هزيمة نفسية بأعتى المقاتلين وليس بعروس وأهلها فحسب، وﻷول مرة لم أفكر بـ(جاويد أختر علي قل) الباكستاني الذي اعتدت منذ سنوات أن أسلمه رأسي وأغفو فلا أصحو إلا على هامة أتذكر بها قول الشاعر (هل رأيت الذئب قط)، واستشرت الرفاق فأشاروا بحلاق تركي في أقصى المدينة، دخلت عليه فظننت أني أدخل إيوان كسرى لفخامة ديكوراته، وهممت أن أنشد سينية البحتري بين يديه، ولفرط الدهشة سلمت عليه وعانقته وسألته عن حاله وعياله حتى أوشكت أن أسأله عن أسعار الشعير في تركيا، وأشرت إلى شعري، فاقترح أن يجمع لي مع الحلاقة صنفرة للوجه فابتهجت بذلك ولكني ترددت في القبول خشية أن يطلب مني ورقة إصلاح من المرور، ثم استويت جالسا على مقعد وثير أمام مرآة صقيلة ولم يبق إلا أن أسمع (شكرا لاختياركم السعودية)، وبعد أن فرغ الحلاق من جز لمتي، دثرني بخرقة وظننته سيتلو علي بعض اﻷوراد لو لا أنه قرب جهازا ينفث بخارا ساخنا فاستعذت بالله من فيح جهنم، وقام يدهن وجهي بأصناف الكريمات وكلما أمعن في صنيعه تذكرت من أعرف من مشاهير أهل الجمال والوسامة فأزدريهم وأقول: يوشك أن يخرج الله من تضاريس هذا الوجه من يذهب بذكركم، حتى إذا أنهى الحلاق الدهن والفرك وما بذله من جهد يفوق جهد سمكري بارع في سمكرة شاص تقلب به سائق غشيم، عاجلت النظر في المرآة، أنتظر أي فتنة ستطل، وما كان إلا قول إبراهيم ناجي: (وإذا الدنيا كما نعرفها)، حملت بعدها خيبتي، وخرجت تجاه محلات الملابس، وﻷول مرة أيضا أتخلى عن ماركاتي القديمة المفضلة (أبو بقرة) للفانيلات، و(حنتوش) للسراويل، و(أبو حنش) للعطور، وقررت كذلك استبدال حذائي القديم الذي تقوس من اﻷمام كحذاء جحا في الحكايات المصورة.
في اليوم التالي وفي الموعد المقرر اصطحبت والدتي وسرنا تجاه حارة المحبوب، وفي الطريق قالت والدتي من اﻷدعية ما لم يقله إمام في ليلة ختم القرآن، وكنت أؤمن حينا وتغلبني الغفلة حينا فأغني، وحين دخلنا الحارة، وكالعادة ركض خلف السيارة كل من كان في الشارع من أطفالها، إلا أسمر موفور النشاط منهم كان يتقدم السيارة ركضا ثم يلتفت نحوي ويقول (هلا أبو طويلة) يتندر بقامتي، ولم أعنف به طبعا ولا بأي من رفاقه، فقد كان منهم إخوة للعروس وكنت أختصهم ببعض الهدايا على طريقة (اذكرني عند أختك).
وبعد الوصول اصطحبني عمي فعبر بي أبوابا وممرات كثيرة وكنت أردد (ما شاء الله) وأظهر الدهشة والاستحسان في كل خطوة، حتى أجلسني في غرفة صغيرة هادئة وغادرني، وعلى غير عادتي لم أعبث بشيء مما حولي ليقيني أن عينا ما خفية ترصدني بدقة، وصدق حدسي، فقد عرفت لاحقا أن أكثر من عشرين نسمة كانوا يتناوبون النظر إلي من ثقب صغير في الباب المقابل، وكنت أسمع في الخارج نداءات خافتة وأصواتا متوترة وصلصلة كأسات، وشتائم غامضة .. ولا أتذكر ما الذي جرى بعدها سوى أننا كنا ثلاثة في الغرفة، وكنت أتحدث بطلاقة عن مدير التعليم، ولا أعلم مناسبة الحديث عن مدير التعليم لحظة النظرة الشرعية، وكل الذي أتذكره بعدها أنني حين خرجت للشارع كان الفرح قد ابتدأ باكرا عند أطفال الحارة، إذ كانوا يرقصون الخطوة على «تندة السيارة»، إلا اﻷسمر موفور النشاط وجدته قد كفأ على اﻷرض قدر طبخ اتخذه طبلا، يضربه بكلتا يديه، ويغني (أنا ما اقدر على الفرقة)!
يوم الشوفة صفحة من مذكرات عريس
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
