قلتُ وأنا أقدِّم جلسة التكريم للدكتورة سعاد المانع، أمس الأول، في مفتتح جلسات ملتقى النقد الأدبي الذي ينظمه النادي الأدبي بالرياض: سعاد المانع اسم عَلَم، لكن عَلَميته ليست مقتصرة على اسميته، فلئن كانت أسماء الأشخاص دلالة عَلَمية بذاتها، فإن عَلَمية سعاد المانع أكبر وأعمق من علمية الاسم. إنها عَلَمية الفكر والجهد، وعَلَمية السمت العلمي والصلابة المعرفية، وعَلَمية الريادة والاهتمام في حقلها. ويزيد على هذا كله صفة التأنيث في عَلَميتها، ذلك أن سعاد المانع كانت تعي مثل غيرها من أعلام النساء، أنها في دائرة ثقافية اجتماعية ترتب الأنثى على الذكر، ومن ثم لا تسمح بالامتياز للأنثى بالقدر الذي تسمح به للذكر. وقد نقول إن اختصاص سعاد المانع في هذه الدائرة الثقافية في العلاقة بين الذكورة والأنوثة بجل أبحاثها ودراساتها النقدية، هو أبرز وجه في عَلَمية سعاد تلك، وهو الوجه المائز لها على مستوى ريادتها له في المجتمع السعودي، وعلى مستوى الرؤية التي جهدت في بنائها باستقلال. سعاد المانع اسم عَلَم، لكن عَلَميتها ليست في أوائلية انتمائها إلى الحقل الأكاديمي السعودي يوم أن كان البحث عن عضو نسائي يحمل الدكتوراه في إحدى جامعاتنا أشبه بالبحث عن لؤلؤة في ركام الأشياء. وهي عَلَمية ليست -كذلك- في أوائلية تمثيلها لقلم نقدي نسائي أدبي يخط في ساحتنا الثقافية الممتلئة -حينذاك- بالذكور وجود المرأة وصوتها ورؤياها. فعلى الرغم من أن هاتين الصفتين كافيتان لامتلاء أرواحنا –اليوم- بغبطة ما تجاهها وشعور بالاحترام، خصوصاً وقد أفسحت، بتقاعدها، مكانها في الجامعة لطالباتها وطلابها، فإننا أكثر اغتباطاً بكفاحها في سبيل التعلم، واختطاطها مساراً نقدياً يبحث في موضوع غير مفكَّر فيه تقريباً في ساحتنا حين ابتدأت الكتابة. ويزداد اغتباطنا ببروز شخصية غير تقليدية بأي معنى في أبحاثها، شخصية شغوفة بالاستقصاء والتنقيب في النصوص، ومجاوزة سطوح الدلالات والمظاهر إلى أعماقها، وذات حفاوة بالمعنى النقدي من حيث هو بصر منهجي بالمعاني والسياقات وقدرة جدلية وحجاجية على الاعتراض والاختلاف. وحين يختار ملتقى النادي الأدبي بالرياض المخصص للنقد، سعاد المانع في دور الشخصية المكرَّمة في هذه الدورة، فإنه يمارس فعل الاختيار والانتخاب الذي يترامى إلى دلالة، تماماً كما هو اختيار المتكلم مفرداته ونغمة صوته ووجهة كلامه. وفي مطلق الأحوال فإن الدلالة التي تنجم عن اختيار شخصية للتكريم هي دلالة يفرضها التكريم ذاته من حيث هو موضوع الاختيار وعلته، وهي الإجلال والتقدير والحفاوة، لكن التكريم حين يكون الاختيار لأمثال سعاد المانع يعود على التكريم ذاته بالمعنى فينبل معناه وتسمو مقاصده، ويذهب بعيدا إلى مجاوزة الأشخاص والذوات، باتجاه النموذجية التي تصنعها سعاد المانع، والمثال الذي تطرز عباءته! تكريم سعاد المانع هو وعي بجيل نقدي حفر ريادته بكثير من العناء، وهو –إلى ذلك- وعي بالفعل النقدي من حيث هو بصيرة نوعية لا يحسنها كل أحد.