ما من شيءٍ يمكنه أن ينأى بولاة عمر عن رقابته، ذلك أنّ عينه كانت مفتّحةً، إذ كيف تنام (وعين الله لم تنَمِ).. إيهٍ يا ابن الخطّاب، فلقد علمتَ أنّ جنوحَ “قضاتك” لن يُعفيك من عدلِ “قاضي السّماء”، وسؤاله إياك حين تمثُل بين يديه.
غير أنّ معاوية بن أبي سفيان، كان له رأي آخر، حيث ظنّ بادي الرأي أنّ للوالي حُكماً مطلقاً في شأن إدارته لولايته، بما في ذلك سُلطته على “القاضي”، وما يصدر عنه من إجراءات في شأن أقضيته!
وبما أنّ عمر -رضي الله عنه- لم يكن ليحابي أحداً، وهو الذي قد رابه خبر معاوية -لمّا أن كان واليه على الشام- بحسبان هذا الأخير، قد أراد أن ينازع “القاضي” أحكامه، بحيث ينقض ما أبرمه منها أو يُبرم ما كان قد نُقِض! وليس بخافٍ أنّ “القاضي” إبان النظر فيما بين يديه من خصومات/ وتنازع، لا يسعه بالمرّةِ أنّ يمضي إلى ما هو أبعد من أحكام “الشريعة” ومن يقظة (ضميره)! وتلك مسلّمة قضائية عرفها الفقه الإسلامي قبلاً، فكان “القاضي” إذ ذاك، ومن خلالها ينعم بـ:(استقلاله) الذي بالضرورةِ يُعدّ ضمانةً كفِلت له مناخاً يُحسن جراءه من أداء وظيفته دون وجلٍ يؤثر على حيدته.
ويسعني القول بأنّ ذلك “الاستقلال” هو الذي قد حفظته الشريعةُ/ ورعته حقّ الرعاية، في أقضيتها بكافّةِ، صيانةً من لدنها لـ”حقوق الإنسان”، وجرياً على بسط رواق “العدل” بين أطياف المجتمع بعامة، ابتغاء رفع مستوى أداء “قضاتها” على نحوٍ من كبح جماح الظّلم، والحؤلة بالتّالي دون شهوة الاستبداد المقيّدة لأيّ ممارسةٍ قضائيّة مستقلّة.
ولعلّه يصح القول ثانيةً بأنّه: لئن كان مصطلح “استقلال القضاء”، برسمه الحادث مصطلحاً جديداً، فإنّه لا يعدو كونها حداثة/جِدّةً في الاستعمال اللفظي ليس غير، فيما دالّها مغرق في القِدم، ويُعبّر عنه باستعمالاتٍ أخرى، كلّها تتجه في مسار ما اصطلح عليه أخيراً -في سائر الأنظمة- بمبدأ فصل السلطات، حيث إنّ آليات الفصل هذه لا يمكن له أن تتأتى من غير ترتّبها على مبدأ “الاستقلال”. ومن هذه الاستعمالات السابقة -في تراثنا- ما سنعرفه من بقية قصّة عمر، مع ما كان يجترح معاوية من الاعتساف باستعمال ولايته حيال القضاء، وذلك يوم أن همّ بأن يتورط في العبث بشيءٍ من مجريات ما كان يصدر عن “قضاته” في الشام من حكومات. وبخاصةٍ ما كان منه مع قاضيه في “فلسطين”.
الخليفة هو: عمر.. وواليه على الشام (بجغرافيتها الأوسع) هو : معاوية، فيما كان: عبادة بن الصامت هو من يتولّى القضاء في “فلسطين”.
ضاق ذرعاً القاضي “عبادة” مما كان من الوالي “معاوية” الذي ما كان ليكفّ عن محاولة استثمار نفوذه ابتغاء أن ينسخ حكماً بآخر، أو أن يدفعه باتجاهٍ يحيف به عن طريق “العدل” ومقتضيات جادته! وعلى الرّغم من أنّ “عبادة” لم يكن يعير صنيع “معاوية” أي اعتبارٍ يمكنه أن يؤثّر على سير “عمله القضائي” فإنّه قد تأذى من كثرة ما كان يفعله “معاوية”، مما دفع “عبادة” إلى ترك “فلسطين” والعودة ثانيةً إلى “المدينة”، إذ أقسم -نظير مخالفات معاوية- ألا يُساكنه أرضاً هو فيها! فسأله عمر: “ما الذي جاء بك يا عبادة؟”. ولما أن قصّ عليه عبادة ما كان بينه وبين معاوية في بلاد الشام قال له عمر: “ارجع إلى مكانك، فقبّح الله أرضا ليس فيھا مثلك”، وكتب لمعاوية الرسالة التي كانت فيما بعد منهجاً قضائيّا لا حيدة عنه.
ولعلّ ما دفع عمر أن يكاتبه -ويغلظ له القول- ذلك أنّه قد آذى العمل القضائي في محاولة استثمار “ولايته” في التأثير على بسط العدل، أقول دافعه لهذه الرسالة أيضا: خشيته من أن تكون سيرة معاوية الجانحة قد تجرئ سواه وتكون سمتَاً قد يسع الكثير من الولاة اقتفاء أثره، فلم يكن بدّ من الحزم.
وعلى أيّ حال.. فلقد خطّ عمر بيده -دون كاتبه هذه المرّة- رسالته الموجزة لـ”معاوية”، والتي باتت منهجاً -في فقهنا القضائي- مع وجازتها وكّدت على كل معاني”الاستقلال”، وأوصدت الباب قبالة أيّ نفوذٍ يمكن أن يستثمر في التأثير على حكم “القاضي”. ولقد جاءت رسالة عمر على هذا النحو:
“إنّه لا سبيل لك على عبادة بن الصامت”، بل جاءت -في رواية أخرى- أكثر شمولاً: “إنّه لا إمرة لك على عبادة”. وبهذا وضع “عمر” حدّا لتدخّل الولاة في شأن القضاء والقضاة. وعمر لم يكن بدعا في صنيعه هذا، ذلك أنّه امتداد لمن كان قبله، ويمكن تلمّس شواهده في مثل ما كان ظاهراً في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ.. وما كان من أبي بكر حيال قضاته.. وكلها جاءت من أجل ضمان استقلال القضاء.
وسنستفيض في الكتابة عن “استقلال القضاء”، من حيث آثاره على حفظ حقوق الناس، في الأسبوع القادم، بإذن الله.
عمر يُلقن معاوية درساً في "استقلال القضاء"
خالد السيف4 دقائق للقراءة

حجم الخط
