فرق السن عقدة عند كثيرين لفهمهم الخاطئ لحديث المصطفى عليه الصلاة والسلام «ليس منا من لم يوقر كبيرنا»، فترى الأسن يستشهد به حين يقلل من شأن الأحدث سنا ويقصيه من حياته ويتطاول بالصوت وبالتقريع ويحتقر ويسخر، وهو بهذا قد يذنب، لأن خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام حاشا أن تأتي كلمة واحدة منه بشيء من تلك المعاني الشاذة.
صحيح أن على من يصغرني أن يحترمني، وعليّ احترام الأسن مني، فالحديث موجه للأصغر، لكنه ليس توجيها لي وللأسن لأن يطغى أحدنا ويتسلط ويتجاوز الحدود ويلغي شخصية الأحدث منه ويهيمن على حياته كما يريد.
في المقابل لا تجد دليلا يوجب على إنسان التراجع والسكوت عن حقوقه وأفكاره ومشاعره وخياراته أو التهرب أو المداهنة أمام الأسن منه، ولا دليلا يلغي التبعة عن الأسن ويعصمه إذا أساء وتكبر وآذى بلسانه أو بأفعاله ما دام سليما واعيا، فالإسلام أسسه الكرامة والعدل والمساواة والصراحة بالحسنى بين الناس، لا تجد في تاريخه هذا الكيل المفرط بكلمة «الأصغر» أو «الصغير» أو أمثالهما، وإنما إنسانية جميلة وأخوة قوية وسباق إلى الحكمة والإحسان والخير بين المسن والقوي والشاب والغلام، بلا تعظيم لفروق السن يعمي ويشل ويحبط.
كلما رأيتُ من هو أسن يداوم على تجاوز حدود العقل والأدب واللطف وعلى الأنفة والتعالي والتجاهل ويظن أن له وحده القول والتصرف، تعجبت وأنكرت وانحدر في عيني، ما اعتدت قط على ذلك المنظر مهما تكرر بل ازددت نفورا ممن يفعل وممن يغرونه ويسكتون عنه وعن حالهم معه والتصاقهم به كائنا من كان.
إن احترمني الأصغر سنا فأدب منه، وإن لم يفعل أظهر سوء خلقه وجهله، فإن غضبت وثرت وتطاولت صرت مثله، ثم إن كل واحد منا أكبر وأصغر تبعا لغيره، وهذه حقيقة بدهية واضحة، وأكثر من تفاوت السن التفاوت في العلم والحكمة والأدب والرحمة.
الاحترام عطر فواح جذاب قوي يسري بلا حاجة من صاحبه أن يستجديه أو يصيح به أو يفرضه على الأحدث سنا فرضا كريها أمسى عند كثيرين عقدا تتعطل بسببها أمور وعقول وقلوب، وتضيع حقوق وأوقات، وتتعثر بيوت وأعمال، ونحن لا نريد أن نشعر ونعترف بذلك ونبدأ في تغييره.
ولا شك أن فينا من نفر من كثيرين وغالط نفسه ليقبلهم إن لم يستطع التغلب على ضعفه وذله أمامهم بالحسنى.
الحديث ليس عن بضعة مواقف نتفق أن التغاضي فيها أكمل والصمت أجمل.
.
الحديث عن الأمر الدائم المفرط! وزبدة الكلام ومسك الختام «إن أكرمكم عند الله أتقاكم».